وخاصة أنه رآها كثيرًا قبل فرض الحجاب، وكان النساء في المجتمع الجاهلي غير محجبات فما كان يمنعه - إذًا - من أن يتزوجها من البداية؟!؛ ولكنه لم يفعل.
فالأمر كله ليس من عمل الإرادة البشرية لهم جميعًا: لا لزينب ولا لزيد ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه أمر قدرى شاءته إرادة الله لإعلان حكم وتشريع جديدين في قضية إبطال عادة"التبني"التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك.
يؤكد هذا ويدل عليه مجموع الآيات الكريمة التي تعلقت بالموضوع في سورة الأحزاب.
أما الجملة التي وردت في قوله تعالى: (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) . فإن ما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو كتم ما كان الله قد أخبره به من أن زينب - يومًا ما - ستكون زوجًا له؛ لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس: إنه تزوج زوجة ابنه بالتبني.
الزوجة السادسة: جويرية بنت الحارث الخزاعية:
الأميرة الحسناء التي لم تكن امرأة أعظم بركة على قومها منها فقد أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها أهل مائة بيت من بنى المصطلق (التي هي منهم) .
كانت ممن وقع في الأسر بعد هزيمة بنى المصطلق من اليهود في الغزوة المسماة باسمهم. وكاتبها من وقعت في أسره على مال فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها:"أو خير من ذلك؟."
قالت: وما هو؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك.
قالت: وقد أفاقت من مشاعر الهوان والحزن: نعم يا رسول الله.
قال: قد فعلت"."
وذاع الخبر بين المسلمين: أن رسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج بنت الحارث بن ضرار زعيم بنى المصطلق وقائدهم في هذه الغزوة ..
معنى هذا أن جميع من بأيديهم من أسرى بنى المصطلق قد أصبحوا بعد هذا الزواج كأنهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا تيار من الوفاء والمجاملة من المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم تجسد في إطلاق المسلمين لكل من بأيديهم من أسرى بنى المصطلق وهم يقولون: أصهار رسول الله، فلا نبقيهم أسرى.
ومع أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الأسيرة بنت سيد قومها والذي جاءته ضارعة مذعورة مما يمكن أن تتعرض له من الذل من بعد عزة .. فإذا هو يرحمها بالزواج، ثم يتيح لها الفرصة لأن تعلن إسلامها وبذا تصبح واحدة من أمهات المؤمنين.
ويقولون: إنه نظر إليها.
وأقول: أما أنه نظر إليها فهذا لا يعيبه - وربما كان نظره إليها ضارعة مذعورة - هو الذي حرك في نفسه صلى الله عليه وسلم عاطفة الرحمة التي كان يأمر بها بمن في مثل حالتها ويقول: [ارحموا عزيز قوم ذل] ، فرحمها وخيرها فاختارت ما يحميها من هوان الأسر ومذلة الأعزة من الناس.
على أن النظر شرعًا مأذون به عند الإقدام على الزواج - كما في هذه الحالة - وكما أمر به صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه عند رغبته في الزواج - قائلًا له: [انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما] .
وقد توفيت في دولة بنى أمية وصلى عليها عبد الملك بن مروان وهي في السبعين من العمر - رضي الله عنها.
الزوجة السابعة: صفية بنت حُيىّ - عقيلة بنى النضير:
إحدى السبايا اللاتي وقعن في الأسر بعد هزيمة يهود بنى النضير أمام المسلمين في الوقعة المسماة بهذا الاسم، كانت من نصيب النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها: فماذا في ذلك؟ ولم يكن عتقه إياها وتزوجها بدعًا في ذلك؛ وإنما كان موقفًا جانب الإنسانية فيه هو الأغلب والأسبق.