فى هذا المناخ .. مناخ الحزن والوحدة وافتقاد من يرعى شئون الرسول وشئون أولاده سعت إلى بيت الرسول واحدة من المسلمات تُسمى خولة بنت حكيم السلمية وقالت: له يا رسول الله كأنى أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة فأجاب صلى الله عليه وسلم: أجل كانت أم العيال وربة البيت، فقالت يا رسول الله: ألا أخطب عليك؟.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ولكن - من بعد خديخة؟! فذكرت له عائشة بنت أبي بكر فقال الرسول: لكنها ما تزال صغيره فقالت: تخطبها اليوم ثم تنتظر حتى تنضج .. قال الرسول ولكن من للبيت ومن لبنات الرسول يخدمهن؟ فقالت خولة: إنها سودة بنت زمعة، وعرض الأمر على سودة ووالدها: فتم الزواج ودخل بها صلى الله عليه وسلم بمكة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن سودة هذه كانت زوجة للسكران بن عمرو وتوفى عنها زوجها بمكة فلما حلّت تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت أول امرأة تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وكان ذلك في رمضان سنة عشر من النبوة.
وعجب المجتمع المكى لهذا الزواج لأن"سودة"هذه ليست بذات جمال ولا حسب ولا تصلح أن تكون خلفًا لأم المؤمنين خديجة التي كانت عند زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها جميلة وضيئة وحسيبة تطمح إليها الأنظار.
وهنا أقول للمرجفين الحاقدين: هذه هي الزوجة الأولى للرسول بعد خديجة، فهى مؤمنة هاجرت الهجرة الأولى مع من فرّوا بدينهم إلى الحبشة وقد قَبِلَ الرسول زواجها حماية لها وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة.
وليس الزواج بها سعارَ شهوة للرسول ولكنه كان جبرًا لخاطر امرأة مؤمنة خرجت مع زوجها من أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة ولما عادا توفى زوجها وتركها امرأة تحتاج هي وبنوها إلى من يرعاهم.
الزوجة الثانية بعد خديجة: عائشة بنت أبي بكر الذي يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن من آمن الناس علىّ في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ..".
ومعروف من هو أبو بكر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم متحدثًا عن عطائه للدعوة"ما نفعنى مالٌ قط ما نفعنى مال أبي بكر"، وأم عائشة هي أم رومان بنت عامر الكنانى من الصحابيات الجليلات، ولما توفيت نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها واستغفرلها وقال:"اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك صلى الله عليه وسلم"، وقال عنها يوم وفاتها:
"من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان"ولم يدهش مكة نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين؛ بل استقبلته كما تستقبل أمرًا متوقعًا؛ ولذا لم يجد أي رجل من المشركين في هذا الزواج أي مطعن - وهم الذين لم يتركوا مجالًا للطعن إلا سلكوه ولو كان زورًا وافتراء.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بفتاة بينه وبينها قرابة خمسين عامًا ليس بدعا ولا غريبًا لأن هذا الأمر كان مألوفًا في ذلك المجتمع. لكن المستشرقين ومن تحمل قلوبهم الحقد من بعض أهل الكتاب - على محمد صلى الله عليه وسلم - جعلوا من هذا الزواج اتهامًا للرسول وتشهيرًا به بأنه رجل شهوانى غافلين بل عامدين إلى تجاهل ما كان واقعًا في ذلك المجتمع من زواج الكبار بالصغيرات كما في هذه النماذج:
-فقد تزوج عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم من هالة بنت عم آمنة التي تزوجها أصغر أبنائه عبد الله - والد الرسول صلى الله عليه وسلم.
-وتزوج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبي طالب وهو أكبر سنًّا من أبيها.