فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 324

فلقد اقترن عصر النهضة الأوروبية بزحفها الاستعمارى على العالمين القديم والجديد، وبعد أن استعبد المستعمرون الأسبان والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون سكان أمريكا الأصليين، وأهلكوهم في سخرة البحث عن الذهب وإنشاء المزارع، مارسوا أكبر أعمال القرصنة والخطف في التاريخ، تلك التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مليونًا من زنوج إفريقيا، سلسلوا بالحديد، وشحنوا في سفن الحيوانات، لتقوم على دمائهم وعظامهم المزارع والمصانع والمناجم التي صنعت رفاهية الرجل الأبيض في أمريكا وأوروبا .. ولا يزال أحفادهم يعانون من التفرقة العنصرية في الغرب حتى الآن.

وعندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق، وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها في أغلبها روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت في الأساس دوافع مادية، لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلًا لجعلهم عمالًا أكثر مهارة، وأكثر قدره على النهوض باحتياجات العمل الفنى في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي .. فلقد غدا الرق بمعايير الجدوى الاقتصادية عبئًا على فائض رأس المال الذي هو معبود الحضارة الرأسمالية المادية وأصبحت حرية الطبقة العاملة أعون على تنمية مبادراتها ومهاراتها في عملية الإنتاج ..

ولقد كان ذات القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم، فاسترقّت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقًا جديدًا، لا تزال الإنسانية تعانى منه حتى الآن ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت