فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 324

أما معاملة غير العاقل معاملة العاقل، فلها دواعٍ بلاغية لا يعرف عنها مثيرو هذه الشبهات كثيرًا ولا قليلًا.

وهي في النظم القرآني من الكثرة بمكان، ولا يعامل غير العاقل معاملة العاقل إلا بتنزيله منزلة العاقل لداع بلاغي يقتضى ذلك التنزيل.

وإذا كان القرآن قد عبَّر في وصف"أيامًا"في آية البقرة هذه ب -"معدودة"وهو وصف غير العاقل جارٍ على الأصل، فإنه عبَّر عن وصفها ب -"معدودات"في موضع آخر، هو قوله تعالى:

(ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) .

فكان ينبغي أن يسأل هؤلاء عن اختلاف التعبير في الموضعين بدل أن يخطِّئوا الصواب وهم جاهلون. وها نحن نضع بين أيديهم الحق ناصع البياض.

فى آية البقرة جاء وصف"أيامًا"-"معدودة"بصيغة الإفراد، وليس جمع كثرة كما زعموا.

وفى آية آل عمران جاء وصف"أيامًا"-"معدودات"جمعًا لا إفرادًا.

فلماذا - إذًا - اختلفت صيغة الوصف، والموصوف واحد، هو"أيامًا"؟

إذا قارنَّا بين الآيتين وجدنا آية البقرة مبنية على الإيجاز هكذا:

"وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة ..".

ووجدنا آية آل عمران مبنية على الإطناب هكذا:

"ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات".

وازن بين صدر آية البقرة"وقالوا".

وبين صدر آية آل عمران"ذلك بأنهم قالوا".

تجد أن جملة"ذلك بأنهم"هذه العبارة اشتملت على اسم الإشارة الموضوع للبعيد، الرابط بين الكلامين السابق عليه، واللاحق به.

ثم تجد"الباء"الداخلة على"إن"في"بأنهم".

ثم"إن"التي تفيد التوكيد، ثم ضمير الجماعة"هم".

هذه الأدوات لم يقابلها في آية البقرة، إلا واو العطف"وقالوا"إذًا المقامان مختلفان، أحدهما إيجاز، والثاني إطناب.

وهذا يبين بكل قوة ووضوح لماذا كان"معدودة". في آية البقرة؟ و"معدودات"في آية آل عمران؟

كان وصف"أيامًا"في آية البقرة"معدودة"لأن المقام فيها مقام إيجاز كما تقدم فناسب هذا المقام الإيجازى أن يكون الوصف موجزًا هكذا"معدودة".

وكان الوصف في آية آل عمران مطنبًا"معدودات"بزيادة"الألف"ليناسب مقام الآية الإطنابى كما تقدم.

فانظر إلى هذه الدقائق واللطائف البيانية المعجزة التي عميت عنها مدارك"الخواجات"المتعالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت