فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 324

الأمر الثاني:

تنازع الشرف والرياسة، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمرًا في نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء، وقد يبقيا متجاورين، وفي هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة، وبين هاشم وأمية من مكة، وبين عبس وذبيان من قيس، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات.

هذه الحقيقة التي توصلنا إليها - وهي أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد - تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، وإذا كان الخلاف محصورًا في السببين السابقين، فأى سبب هو الذي أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل السبب هو التنافس في مادة الحياة الدنيا، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التي تؤول إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة؟

أما عن السبب الأول فليس واردًا على الإطلاق، فلقد ضرب كفار مكة حصارًا تجويعيًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فانحازوا إلى شعب أبي طالب ثلاث سنوات كاملة، عاشوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال، حتى إنهم من شدة الجوع قد أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم وأنين شيوخهم، ومع ذلك فقد التزم النبي صلى الله عليه وسلم الصبر والثبات، ولم يأمر أصحابه أن يشنوا حربًا أو قتالًا لفك هذا الحصار، والخبير يعلم ما الذي يمكن أن يفعله الجوع بالنفس البشرية، إن لم يصحبها نور من وحي أو ثبات من إيمان.

كان السبب الثاني إذن كفيلًا بإشعال هذه النار في قلوب هؤلاء وعلى حد تعبير الأستاذ العلامة محمد فريد وجدى:"كان مقصودًا بالقتل من قريش، وليس يعقل أن تغمض قريش عينها، ومصلحتها الحيوية قائمة على زعامة الدين في البلاد العربية، وعن قيام زعامة أخرى في البلاد كيثرب يصبح منافسًا لأم القرى، وربما بزها سلطانًا على العقول، وكر على قريش فأباد خضراءها وسلبها حقها الموروث"، والذي يؤيد هذا ويقويه ذلك الحوار الذي دار بين الأخنس بن شريق وبين أبي جهل؛ إذ قال له الأخنس: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ - يعني القرآن - فقال ما سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

ليست الصدفة إذن ولا محض الاتفاق هما اللذان دفعا النبي صلى الله عليه وسلم لقتال أبناء أجداده من مضر دون ربيعة أو غيرها من العرب، بل الطبيعة العربية المتوثبة دائمًا، لمن ينازعها الشرف والسيادة من أبناء الأب الواحد - على ما بيناه آنفًا - كانت هي السبب الرئيسى لاشتعال هذه الحروب ولولاها لما اضطر صلى الله عليه وسلم للقتال بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة والصبر تخللها من المشاق والعنت ما الله به عليم، ومع ذلك فقد كان هجيراه - بأبى هو وأمى -"اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون".

وثمة أمر آخر ينبغي الإشارة إليه، يتعلق بالآثار الناجمة عن هذا القتال، من حيث أعداد القتلى التي نجمت عن هذه الغزوات والجدول الآتي يعطينا صورة بيانية عن هذه الآثار كالآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت