وختم النبوة والرسالة، يعني انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد .. وحتى تقوم حُجة الله على عباده لابد من بقاء القرآن كله محفوظًا، ليكون قيّما على الناس، أي دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا) (27) .
وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (28) .
ومن صفات القرآن - كل القرآن - أنه كتاب عزيز، أي منيع، محفوظ من العبث به وفيه .. وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه، بأى حال من الأحوال: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (29) . والذكر في هذه الآية هو كل الكتاب، العزيز على أي عبث به وفيه ..
ومن صفات القرآن - كل القرآن - أنه كتاب علىّ حكيم، فوق تطاول المتطاولين، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا: (إن جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم) (30) .
ومن صفات القرآن - كل القرآن - أنه في كتاب مكنون: أي مصون ومحفوظ عن اللعب والعبث والتحريف (إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون) (31) .
ولقد صدّق التاريخ على هذا الحفظ الإلهي لهذا القرآن المجيد .. ومن يقرأ تاريخ التوراة - حتى ذلك الذي كتبه علماء اليهودية - يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها .. وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذي صنعه"عزرا"وغيره من الأحبار، في صورة مليئة بالتحريف .. ومن يتأمل تناقضات الأناجيل - حتى الشهيرة منها - والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة - من مثل أناجيل"مخطوطات نجع حمادى"، و"مخطوطات البحر الميت"،"إنجيل برنابا"يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح - عليه السلام - لكن .. ها هو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غُنّة ولا مدّ وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التي أبادتها غزوات الطغاة، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات .. وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين .. فالتاريخ - هو الآخر - قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهي لكل القرآن الكريم ..
فبرهان العقل - المتعلق بختم الرسالة .. وختم الوحي - يجعل حفظ القرآن - كل القرآن - لإقامة الحجة على الناس - ضرورة عقلية.
وكذلك النقل المتكرر في القرآن - بلفظ القرآن .. والكتاب .. والتنزيل .. والذكر .. - شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهي لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم .. فهو وحي الله الخاتم .. تعهد سبحانه وتعالى بجمعه وحفظه، وحجة خالدة، كى لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شيء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم.
أما بعض المرويات التي يفهم منها البعض شكًّا في حفظ كل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن .. فإن منطق العقل، ومنهاج البحث العلمي، وقواعد نقد النصوص والمرويات، التي اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية .. كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات .. والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات .. فإذا كان لدينا - على نحو ما قدمنا - شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن - كل القرآن - هو ضرورة عقلية، تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحي .. وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم، أي بالمصدر المعجز، قطعى الدلالة والثبوت .. فهل يكون عاقلًا من يترك شهادة العقل الصريح، والنقل المعجز الصحيح، ويلتفت إلى رواية من روايات يعلم الله من رواها؟ ولماذا رواها؟.
إن منطق البحث العلمي، الذي أجمع عليه كل عقلاء الدنيا، في التعامل مع النصوص، قد حسم هذه القضية التي نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها .. والله من وراء القصد، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد ..