فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 324

فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما. ثم أخذا يسألانه وهو يجيب بلا توقف، مستشهدًا في إجاباته على كل كلمة،"قرآنية"سألاه عنها بما يحفظه من الشعر العربي المأثور عن شعراء الجاهلية، ليبين للسائلين أن القرآن نزل بلسان عربي مبين.

وكان الإمام جلال الدين السيوطى قد جمع هذه المسائل وذكر منها مائة وثمانٍ وثمانين كلمة، وقد حرص على ذكر إجابات ابن عباس عليها رضي الله عنه، وقال: إنه أهمل نحو أربع عشرة كلمة من مجموع ما سئل عنه ابن عباس.

وها نحن أولاء نورد نماذج منها، قبل التعليق عليها، ولماذا أشرنا إليها في مواجهة هذه الشبهة التي تزعم أن ألفاظ الكتاب العزيز"غريبة"وغير مفهومة.

النموذج الأول:"عزين"

قال نافع بن الأزرق لابن عباس:

أخبرنى عن قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين) .

قال ابن عباس: عزين: الحلق من الرفاق. فسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟

فقال ابن عباس: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يُهرعون إليه حتى يكونوا حول منسره عزينا

يعني جماعات يلتفون حول الرسول (، وهو مشتق من الاعتزاء، أي ينضم بعضهم إلى بعض، قال الراغب في المفردات: العزين: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض.

النموذج الثاني:"الوسيلة"

قال نافع: أخبرنى عن قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) . قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة، قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال ابن عباس: نعم، أما سمعت قول عنترة:

إن الرجال لهم إليك وسيلة

أن يأخذوك تكحلى وتخضبى

يعني: اطلبوا من الله حاجاتكم. واستعمال الوسيلة في معنى الحاجة كما فسرها ابن عباس فيها إلماح أن طريق قضاء الحوائج يكون إلى الله؛ لإن معنى الوسيلة: الطريق الموصل إلى الغايات.

النموذج الثالث:"شرعةً ومنهاجًا"

وسأله نافع عن الشرعة والمنهاج في قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا) . فقال ابن عباس: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، واستشهد بقول أبي سفيان الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى

وبين للإسلام دينًا ومنهجًا.

النموذج الرابع:"ريشًا"

وسأله نافع عن كلمة"ريشًا"في قوله تعالى: (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يوارى سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير .. ) .

ففسره ابن عباس بالمال، واستشهد بقول الشاعر:

فريشى بخير طالما قد بريتنى

وخير الموالى من يريش ولا يبرى

النموذج الخامس:"كَبد"

وسأله نافع عن كلمة"كَبد"في قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) .

فقال ابن عباس: في اعتدال واستقامة. ثم استشهد بقول لَبِيد بن ربيعة:

يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد

وهكذا نهج ابن عباس في المسائل الـ (188) التي وجهت إليه، يجيب عنها بسرعة مذهلة، وذاكرة حافظة لأشعار العرب، وسرعة بديهة في استحضار الشواهد الموافقة لفظًا ومعنى للكلمات القرآنية، التي سئل عنها.

وهذا يؤكد لنا حقيقتين أمام هذه الشبهات التي أثارها الحاقدون ضد القرآن الكريم.

الأولى: كذب الادعاءات التي نسبت لابن عباس الجهل ببعض معاني كلمات القرآن.

الثانية: أن القرآن كله لا غريب فيه بمعنى الغريب الذي يعاب الكلام من أجله، وأن نسبة الغريب إليه في كتابات السلف، تعني الغريب النسبى لا الغريب المطلق، وقد تقدم توضيح المراد من الغريب النسبى في هذا المبحث، باعتبار الزمان، وباعتبار البيئة والمكان، وأن ما وضعه القدماء من مؤلفات تشرح غريب القرآن إنما كان المقصود به إما أبناء الشعوب التي دخلت الإسلام من غير العرب. وإما للأجيال الإسلامية المتأخرة زمنا، التي غابت عنها معاني بعض الألفاظ.

وقد يضاف إلى هذا كله الألفاظ المشتركة والمترادفة والمتضادة، والاحتمالية المعنى.

أما أن يكون في القرآن غريب لا معنى له وغير مأنوس الاستعمال. فهذا محال، محال .. والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت