فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 324

وحتى لو جارينا هؤلاء الحاقدين، وسلمنا لهم جدلًا بأن هذه الكلمات غريبة؛ لأنها غير عربية، فإنها كلمات من"المعرَّب"الذي عرَّبه العرب واستعملوه بكثرة فصار عربيًا بالاستعمال. ومعانيه معروفة عند العرب قبل نزول القرآن. وما أكثر الكلمات التي دخلت اللغة العربية، وهجر أصلها وصارت عربية. فهى إذن - ليست غريبة، لإن الغريب ما ليس له معنى أصلًا، ولا وجود له في المعاجم اللغوية، التي دونت فيها ألفاظ اللغة.

قد يقال: كيف تنكرون"الغريب"في القرآن، وهو موجود باعتراف العلماء، مثل الإمام محمد بن مسلم بن قتيبة العالم السنى، فقد وضع كتابًا في"غريب القرآن"وأورده على وفق ما جاء في سور القرآن سورة سورة؟

وكذلك صنع السجستانى وتفسيره لغريب القرآن مشهور.

ومثله الراغب الأصفهانى في كتابه"المفردات"في شرح غريب القرآن.

ثم الإمام جلال الدين السيوطى، العالم الموسوعى، فله كتاب يحمل اسم"مبهمات القرآن".

ألا يُعد ذلك اعترافًا صريحًا من هؤلاء الأئمة الأفذاذ بورود الغريب في القرآن الكريم؟ ومن العلماء المحدثين الشيخ حسنين مخلوف، مفتى الديار المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وكتابه"كلمات القرآن لا يجهله أحد".

كما أن جميع مفسرى القرآن قاموا بشرح ما رأوه غريبًا في القرآن. فكيف يسوغ القول - الآن - بإنكار وجود الغريب في القرآن أمام هذه الحقائق التي لا تغيب عن أحد؟

من حق غير الملم بفقه هذه القضية - قضية الغريب - أن يسألوا هذا السؤال، ومن واجبنا أن نجيب عليه إجابة شافية وافية بعون الله وتوفيقه.

والجواب:

هذا السؤال جدير بأن نستقصى جوانب الإجابة عليه لوجاهته وأهميته. فنقول مستمدين الهداية والتوفيق من الله العلى الحكيم.

فأولًا: إن الغريب الذي نسب في كتب العلماء - رضي الله عنهم - إلى القرآن، إنما هو غريب نسبى وليس غريبًا مطلقًا.

فالقرآن في عصر الرسالة، وعصر الخلفاء الراشدين كان مفهومًا لجميع أصحاب رسول. صلى الله عليه وسلم

ولم يرد في رواية صحيحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غاب عنهم فهم ألفاظ القرآن من حيث الدلالة اللغوية البحتة، وكل ما وردت به الرواية أن بعضهم سأل عن واحد من بضعة ألفاظ لا غير. وهي روايات مفتقرة إلى توثيق، وقرائن الأحوال ترجح عدم وقوعها، والألفاظ المسئول عنها هي:

غسلين، قسورة، أبَّا، فاطر، أوَّاه، حنان. وقد نسبوا الجهل بمعاني هذه الكلمات إما إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وإما إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وكلا الرجلين أكبر من هذه الاتهامات.

ومما يضعف إسناد الجهل إلى عمر رضي الله عنه، بمعنى كلمة"أبًّا"أن عمر كما تقول الرواية سأل عن معناها في خلافته، مع أن سورة"عبس"التي وردت فيها هذه الكلمة من أوائل ما نزل بمكة قبل الهجرة، فهل يُعقَلُ أن يظل عمر جاهلا بمعنى"أبًّا"طوال هذه المدة (قرابة ربع قرن) ؟

أما ابن عباس رضي الله عنه فإن صحت الرواية عنه أنه سأل عن معاني"غسلين"و"فاطر"فإنه يحتمل أنه سأل عنها في حداثة سنه. ومعروف أن ابن عباس كان معروفًا ب -"ترجمان القرآن"ومعنى هذا أنه كان متمكنًا من الفقه بمعاني القرآن، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له قائلًا: [اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل] .

هذا فيما يتعلق بشأن الروايات الواردة في هذا الشأن.

أما فيما يتعلق بالمؤلفات قديمًا وحديثًا حول ما سمى ب -"غريب القرآن"فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت