لم يقل: إن الله ورسوله بريئان من المشركين، لأن وصف الله بالبراءة من المشركين، وصف توحيدى تابع للواحد الأحد، الذي ليس له مثيل في كل الوجود.
ولذلك قال:"أن الله برئ من المشركين ورسوله"أي ورسوله برئ منهم، والذي دل على هذا، ما ذكره في جانب الله أولًا.
كما تقول: محمد (من أُولي العزم من الرسل، وموسى عليه السلام، أي وموسى من أُولي العزم من الرسل. تثبت الوصف المحذوف لموسى، استنادًا إلى ذكر ذلك الوصف خبرًا عن محمد، عليهما الصلاة والسلام. هذا ما يفهمه العقلاء من بليغ الكلام.
وفى سورة التوبة نفسها - كذلك - ورد قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنَّا إلى الله راغبون) .
روعيت عقيدة التوحيد في النظم القرآني المعجز المفحم في ثلاثة مواطن:
الأول:"ما آتاهم الله ورسوله"حيث عطف رسوله على اسم الجلالة، دون عود ضمير مثنى.
الثاني:"حسبنا الله"دون عطف رسوله على اسم الجلالة. لأن الحسب لا يكون إلا لله.
الثالث:"سيؤتينا الله من فضله ورسوله"دون أن يُثَنِّي فيقول: من فضلهما.
وإنما عُطِف"رسوله"بعد تمام الجملة الأولى.
ثم حذف من جملة"ورسوله"ما دل عليه الكلام السابق، أي:
وسيؤتينا رسوله من فضله.
هذا هو التوحيد في القرآن، دقة وإحكام، ومبالغة في تنزيه الله عن المساوى والمثيل والكفء حتى في اللفظ توحيد نقى، خالص، مبرأ عن الشبهات المعنوية ومبرأ عن الشبهات اللفظية.
ولم يرد في القرآن الحكيم اسم يكون ثانيًا لله، ولا اسم يكون ثالثًا لله، لا في المعاني، ولا في الألفاظ وذلك هو التوحيد الخالص. رسالة كل الرسل والأنبياء.
والخلاصة:
أن في الآية أسلوب الإيجاز البليغ لأن معناها الذي لم يهتدوا إليه هو:"والله أحق أن يُرضوه ورسوله أحق أن يرضوه"فحُذف"أحق أن يرضوه"من الأول، لدلالة الثاني"ورسوله أحق أن يرضوه"عليه.
وهذا فن بلاغي يطلقون عليه:"الاحتباك"وهو نوعان:
الأول: أن يحذف كلام من جملة أولى ويذكر ما يدل عليه في جملة ثانية جاءت بعدها مباشرة. مثل الآية التي اتخذوها منشأ لهذه الشبهة.
والثاني: أن يحذف من جملة ثانية كلام يدل عليه ما ذكر في الجملة التي قبلها، ومثاله قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا .. ) .
والمعنى: والنهار مبصرًا ليسعوا فيه، فحذف لأن"ليسكنوا"دليل قوى عليه.
وقد تلحظ حذفًا من الأول - كذلك - لدلالة الثاني عليه، وهو: مظلمًا، أي جعلنا الليل مظلمًا، وحذف لأن ما في الثاني، وهو"مبصرًا"دليلًا عليه.