فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 324

"ألف لام ميم"تستغرق مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لتسعة أصوات، يتخللها المد مد الصوت عندما تقرع السمع تهيؤه، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة:

(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (5) .

وإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالى، ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه"الحروف"في فواتح السور عبارة"قرع عصى" (6) وهي وسيلة كانت تستعمل في إيقاظ النائم، وتنبيه الغافل. وهي كناية لطيفة، وتطبيقها على هذه"الحروف"غير مستنكر. لأن الله عز وجل دعا الناس لسماع كلامه، وتدبر معانيه، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:

(وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (7) .

الرأي الثالث:

ويرى الإمام الزمخشري أن في هذه"الحروف"سرًّا دقيقًا من أسرار الإعجاز القرآني المفحم، وخلاصة رأيه نعرضها في الآتي:

"واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء يقصد الحروف وجدتها نصف حروف المعجم، أربعة عشر سواء، وهي: الألف واللام والميم والصاد، والراء والكاف والهاء، والياء والعين والطاء والسين والحاء، والقاف والنون، في تسع وعشرين سورة، على حذو حروف المعجم".

ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك أن فيها:

من المهموسة نصفها:

"الصاد، والكاف، والهاء والسين والخاء".

ومن المجهورة نصفها:

الألف واللام والميم، والراء والعين والطاء، والقاف والياء والنون.

ومن الشديدة نصفها:

"الألف والكاف، والطاء والقاف".

ومن الرخوة نصفها:

"اللام والميم، والراء والصاد، والهاء والعين، والسين والحاء والياء والنون".

ومن المطبقة نصفها:

"الصاد والطاء".

ومن المنفتحة نصفها:

"الألف واللام، والميم والراء، والكاف، والهاء والعين والسين والحاء، والقاف والياء والنون".

ومن المستعلية نصفها:

"القاف والصاد، والطاء".

ومن المنخفضة نصفها:

"الألف واللام والميم، والراء والكاف والهاء، والياء، والعين والسين، والحاء والنون".

ومن حروف القلقلة نصفها:"القاف والطاء" (8) .

يريد أن يقول: إن هذه الحروف المذكورة يلحظ فيها ملحظان إعجازيان:

الأول: من حيث عدد الأبجدية العربية، وهي ثمانية وعشرون حرفًا. فإن هذه الحروف المذكورة في فواتح السور تعادل نصف حروف الأبجدية، يعني أن المذكور منها أربعة عشر حرفًا والذي لم يذكر مثلها أربعة عشر حرفا:

14+14 = 28 حرفًا هي مجموع الأبجدية العربية.

الثاني: من حيث صفات الحروف وهي:

الهمس في مقابلة الجهارة.

الشدة في مقابلة الرخاوة.

الانطباق في مقابلة الانفتاح.

والاستعلاء في مقابلة الانخفاض.

والقلقلة في مقابلة غيرها.

نجد هذه الحروف المذكورة في الفواتح القرآنية لبعض سور القرآن تعادل نصف أحرف كل صفة من الصفات السبع المذكورة. وهذا الانتصاف مع ما يلاحظ فيه من التناسب الدقيق بين المذكور والمتروك، لا يوجد إلا في كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وهو ذو مغزى إعجازى مذهل لذوى الألباب، لذلك نرى الإمام جار الله الزمخشري يقول مُعقبًا على هذا الصنع الحكيم:

"فسبحان الذي دقت في كل شئ حكمته. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحُجة إياهم (9) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت