فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 324

-عتق الرقاب من الرق، إما تطوعًا، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حرًا.

والوحدة الثالثة: يندرج عنصراها: الصلاة والزكاة تحت ركنين عمليين من أركان الإسلام، والزكاة إنفاق واجب، وليس حرًا.

والوحدة الرابعة: هي حسن المعاملة مع الناس بوفاء الوعد العهد.

والوحدة الخامسة: تنتظم عناصرها تحت مبدأ الصبر الجميل في كل عمل خير يؤديه المكلف، وبخاصة في الشدائد والمحن وملاقاة العدو.

أما الوحدة السادسة: فهى بيان فضل هؤلاء المذكورين في الآية، وبخاصة ما ذكر قبل الفاصلة مباشرة، ومنزلتهم عند الله:

"أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".

وإذا تأملت هذه الوحدات، وعناصرها المندرجة تحتها، وجدت أن أشدها وقعًا على النفس، وأكثرها أعباء، وأشقها كلفة، هي الصبر في المحن والشدائد والأخطار، وبخاصة في ملاقاة العدو، والتعرض لزحفه وسلاحه، وقد يفضى بالإنسان إما إلى حدوث عاهات مؤلمة في الجسم، وإما إلى الموت. فالمقاتل في ساحات الكر والفر إنما يصارع الموت، ومقدمات الموت.

ولهذا جاء إعراب"الصابرين"مخالفًا لإعراب ما قبلها، ليلفت الله أذهان العباد إلى أهمية الصبر في هذه المجالات، وهذا الإعراب المخالف لما قبله يفيد مع تركيز الانتباه، وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخلق العظيم، يفيد أمرًا آخر مبهجًا للنفوس، هو مدح هؤلاء الصابرين شديدى العزيمة، قويى الاحتمال.

فانظر إلى نفائس هذه المعاني، التي دل عليها نصب"الصابرين"مع كون ما قبله مرفوعًا. إنها بلاغة القرآن المعجز، وعبقرية اللغة العربية لغة التنزيل الحكيم.

وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله، هو الذي يسميه النحاة واللغويون ب -"القطع"كما تقدم في نظيريه في هذه الدراسة، إما للمدح كما في هذه الآية، وآية النساء"والمقيمين الصلاة"وقد تقدمت.

وإما بقصد الذم، كما في قوله تعالى في سورة المسد"وامرأته حمالةَ الحطب"أي امرأة أبي لهب التي كانت تحمل الشوك وتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه. لأن كلمة"حمالة"جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها، وهي"امرأتُه"فهذا قطع كذلك، القصد منه الذم، أي: أذم أو ألعن حمالة الحطب.

وأيًا كان القطع للمدح أو الذم، فإنه من أرقى الأساليب البلاغية، يحتوى على فضيلة الإيجاز وهي أن تكون المعاني أكثر وأوفر من الألفاظ التي تدل عليها، أو المستعملة فيها، لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابها عما قبلها نابت هذه الكلمة مناب ثلاثة قيم بيانية، رامزة إلى وجودها في المقام، وإن كانت محذوفة وهي:

1 -الكلام الذي عمل الإعراب المخالف في الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها، وهو في"الصابرين"أمدح أو أخص الصابرين بالمدح. وفي آية"المسد"أذم أو ألعن.

2 -إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التي تدل عليهما.

3 -فضيلة الإيجاز البيانى المفعم بالمعاني الآسرة والدلالات الساحرة. فسبحان من هذا كلامه!

والخلاصة:

بعد هذا البيان الموجز، وإن طال، لا أرانا في حاجة إلى ذكر توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين، لمجيء"الصابرين"منصوبًا بعد مرفوع في هذه الآية، لأن توجيهاتهم - هنا - مثل توجيهاتهم هناك، ولسنا في حاجة كذلك إلى الاستشهاد بالمأثور عن العرب الذين يحتج بكلامهم على قواعد اللغة، وطرائق استعمالاتها، لسنا في حاجة إلى ذلك، وإن كان مفيدًا، لأن القرآن الكريم حُجة في نفسه، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شيء فيه، فهو النموذج الممتاز الأعلى للغة العربية، قواعدها، ونحوها، وصرفها، وبيانها، وبلاغتها. وحسبنا في هذه الآية المعاني التي أمطنا عنها اللثام في مجيء"الصابرين"منصوبًا بعد مرفوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت