وقال مالكٌ في إحدى الروايات عنه: يذبحُ أين شاءَ، بمكة أو غيرها، وكأنَّ الشرعَ إنما خالف بين اسميهما لاختلافِ حُكْمَيْهما، مع ذكرِه للبيانِ في إحداهما، وتركه له في الأخرى.
وقد استنبطَ الأوزاعيُّ من إطلاق الفديةِ في الأذى، وترتُّبُ الحلقِ على بُلوغِ الهدي محلَّه: أنه يجوزُ للمُحْرِم أن يكفرِ بالفِدْيَةِ قبل الحَلْقِ.
وله وجهٌ في القياسِ على كفارةِ اليمين، وأبى ذلك الجمهورُ، وقاسوه على المُحْصَر.
* ثم استنبطَ أهلُ العلمِ من ترخيصِ الله - سبحانَهُ - للمريضِ في حلقِ رأسه مع إيجاب الفدية وجوبَ الفديةِ على من حَلَقَ ناسياً؛ لأنه عذز في رَفْع الحرج، فلا يكونُ عذراً في ترك الفداءِ؛ كالمريض، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ، وداودُ وإسحاقُ.
ثم استنبطوا أن كلَّ ما يُضْطَرُّ إليه المُحْرِمُ بسبب المرضِ، أو دفعِ الأذى؛ كالطيبِ واللُّبْس والستر أنه كالحَلْقِ؛ لأنه في معناه.
الجملة الخامسة: قوله جلَّ جلالُه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] .
فأقول: أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ وُجوهَ النسكِ ثلاثةٌ: الإفرادُ، والتَّمَتُعُّ، والقِرانُ، واتفقوا على أن فعلَ جميعِها جائز، فقد صحَّ وثبتَ جميعُ ذلكَ مِنْ بَيَانِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من قولِه وفِعله.
روينا في"صحيح مسلم"عن عائشةَ - رضيَ الله تعالى عنها - قالت: خَرجْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال:"مَنْ أرادَ منكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أرادَ أَنْ يُهلَّ بِحَجٍّ فليفعلْ، ومن أرادَ أن يهلَّ بعُمْرَةٍ فليفعل"، قالتْ عائشةُ: فأهلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بحجٍّ، وأهلَّ بهِ ناسٌ معهُ، [وأهلَّ ناسٌ بالعُمرةِ والحجِّ، وأهلَّ ناسٌ] بعمرةٍ، وكنتُ فيمن أهلَّ بعُمْرَةٍ.
وقد روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْرِداً، ورُوي أنهُ كانَ مُتَمَتِّعاً، ورُوي أنه كانَ قارِناً.
* وإنما اختلفوا في الأفضل منها:
-فقال أحمدُ، والمَكِّيُّونَ، والشافعيُّ في أَحَدِ قَوْليه: التمتعُّ أفضلُ.