وقد روى ذلكَ من فعلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشةُ وأمُّ سلمةَ - رضي الله تعالى عنهما - وبذلك قال أكثرُ العلماء، واتفق عليه الفقهاءُ حتى صار إجماعًا، أو كالإجماعِ.
وقال الحسنُ وإبراهيمُ وسالمُ بنُ عبد الله وعروةُ وعطاءُ وطاوسٌ: يصومُ ويقضي.
وروي عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه -: أنه كانَ يقولُ: من أصبحَ جُنُبًا في رَمضانَ، أفطرَ، وقال: ما أنا قلتُه، قالَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورَبِّ الكعبةِ!
ويروى عنه أنه قال: لا عِلْمَ لي بذلكَ، إِنَّما أخبرَني مُخْبِرٌ.
وخرَّجَ مسلم في"صحيحه": أن أبا هريرة رجعَ عَمَّا كان يقول في ذلك.
والعملُ بحديثِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ أَولى؛ لأنَّ روايةَ اثنين أرجحُ من رواية واحدٍ، ولتقدمِ عائشةَ في الحفظِ والفِقْه، ولكونِ أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرفَ بهذا من رجلٍ إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، وبشهادة الأصول لحديثهما في غسل الطِّيبِ للمُحْرِمِ بعد الإحرام؛ إذ لا يجب تقدُّمه قبل الإحرام، ولاتِّفاقِ روايتهِمِا واختلافِ روايتِه.
-ثم اختلف القائلون بقول أبي هريرة، فرويَ عن أبي هريرةَ أنه قالَ: إذا عَلِمَ بجنابته، ثم نام حتى يصبحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يعلمْ حتى يصبحَ، فهو صائم.
ورويَ عن عطاءٍ وطاوس وعروةَ.
ومنهم من قال: إنه يقضي في الفرضِ دون النفل. ورويَ عن الحَسَنِ وإبراهيمَ.
والجميع محجوجونَ بقولِ عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يدركُه الفجرُ في رمضانَ وهو جُنُبٌ من غير حُلُمٍ، فيغتسلُ ويصومُ.
* وفي الآية دليلٌ على أن الحكم معلقٌ بالفجرِ الثاني المُسْتَطِيرِ الأبيضِ لا الأحمرِ. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين. ورويَ عن حذيفةَ: أنه لما طَلَعَ الفجرُ، تسحَّرَ ثم صَلَّى.
وروى النسائي: أنه قيل لحذيفة: أيَّ ساعةٍ تسحرتَ معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: هو النهارُ، إلا أن الشمسَ لم تطلُع.
وروي مثلُ قولهِ عن عثمانَ وابنِ عباس وطَلْقِ بِنِ عَلِيٍّ.
ورويَ معني ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ، وعنْ مسروقٍ أنه قالَ: لم يكونوا يَعُدُّون الفَجْرَ فجْرَكُمْ هذا، إنما كانوا يَعُدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ.
وحكيَ عنِ الأعمشِ وإسحاقَ: أنهما قالا بجواز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس.