وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ رَضِيَ بِقَضَائِهِ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ، فَأُولَئِكَ الْجُهَّالُ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَدْ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ فِي الْجِهَادِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا ابْتُلِيَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ لَا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغَالُ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ، فَالَّذِي فَعَلُوهُ بَاطِلٌ.
وَرَابِعُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، فَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ تَرَكُوا ذَلِكَ وَأَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَةِ الْأَحْسَنِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُوَحِّدُونَ رَبَّهَمْ، وَالْكُفَّارَ يَعْبُدُونَ مَعَ الصَّنَمِ أَصْنَامًا فَتَنْقُصُ مَحَبَّةُ الْوَاحِدِ، أَمَّا الْإِلَهُ الْوَاحِدُ فَتَنْضَمُّ مَحَبَّةُ الْجَمِيعِ إِلَيْهِ.
* إِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَاءَ قَوْلُهُ: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ مَعَ قَوْلِهِ: (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ وَ(إِذْ) لِلْمَاضِي؟
قُلْنَا: إِنَّمَا جَاءَ عَلَى لَفْظِ الْمُضِيِّ لِأَنَّ وُقُوعَ السَّاعَةِ قَرِيبٌ، قَالَ تَعَالَى: (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النَّحْلِ: 77] وَقَالَ: (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشُّورَى: 17] وَكُلُّ مَا كَانَ قَرِيبَ الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مَا وَقَعَ وَحَصَلَ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ تَعَالَى: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الْأَعْرَافِ: 44] وَقَوْلُ الْمُقِيمِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ إِيقَاعِهِ التَّحْرِيمَ لِلصَّلَاةِ لِقُرْبِ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا) [الْأَنْعَامِ: 27] ، (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ) [سبأ: 31] ، (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا) [سَبَأٍ: 51] ، (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى) [الأنفال: 50] .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)