ومن لطائف ونكات تفسير الراغب:
{لَا رَيْبَ فِيهِ}
«فإن قيل» : كيف نفى الريب عنه، وقد علم تشكك كثير من الناس فيه؟
قيل: في ذلك أجوبة:
الأول: إن ذلك نفي على معنى النهي نحو قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، بدلالة قوله: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وقوله: {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ}
«فإن قيل» : الشك لا يقصده الإنسان، فكيف ينهى عنه؟
قيل: اللفظ لذلك، والمعنى حث على التدبر والتفكر النافيين للشك.
والثاني: أنه يقال: رابني كذا، إذا تحققت منه الريبة، وأرابني: أوهمني الريبة.
قال الشاعر:
أخوك الذي إن ربته قال إنما... أربت وإن عاتبته لأن جانبه
فالقرآن لا ريب فيه، وإن كان فيه ارتياب من بعض الكفار.
والثالث أنه يقال: هذا لا ريب فيه، والقصد إلى أنه حق، تنبيهاً أن الريب يرتفع عن عند التدبير والتأمل.
والرابع: أنه لا ريب في كونه مؤلفاً من حروف التهجي وقد عجزتم عن معارضته،
والخامس لا ريب فيه للمتقين.
«إن قيل» : كيف قال {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} الآية.
وقد علم أنه قد آمن من الذين كفروا قوم؟
قيل: إيمان من آمن لا ينافي مقتضى الآية، وذلك أنه تعالى نفى أنهم ينتفعون بالإنذار مع حصول الكفر، فأما إذا زال الكفر وهو الجحود، فإنه لا يمتنع أن ينتفعوا بالإنذار، كقولك:"المريض سواء أطعمته أم لم تطعمه لا ينفعه الطعام"- تنبيهاً أنه ما دام مرضه حاصلاً لم ينفعه ذلك، ولا تقتضي أنه لا ينتفع بذلك إذا زال مرضه، وقد تقدم أن الطب ضربان:
إزالة المرض، وحفظ الصحة، وأن الإنذار يجري مجرى الغذاء الحافظ للصحة، وأن النظر في الأدلة المقتضية للتوحيد وإثبات الرسل جار مجرى الدواء المعيد للصحة، والمريض لا ينتفع بالغذاء ما لم يزل مرضه، فتبين أن الذي في قلبه مرض من الكفر لا ينتفع بما يجري مجرى الغذاء ما دام به المرض، وقد روى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ما دل على هذا، وهو أنه قال:"عنى به الجاحدين لنعمه"وأن الإنذار لا ينفعهم مع كفرهم"،"