ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
{قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}
فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم ظنوا أن في ممالأة الكفار صلاحاً لهم , وليس كما ظنوا , لأن الكفار لو يظفرون بهم , لم يبقوا عليهم , فلذلك قال: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} . والثاني: أنهم أنكروا بذلك , أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار , وقالوا إنما نحن مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه. والثالث: معناه أن ممالأتنا الكفار , إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم أرادوا أن ممالأة الكفار صلاح وهدى , وليست بفساد وهذا قول مجاهد.
«فإن قيل» : فكيف يصح نفاقهم مع مجاهدتهم بهذا القول؟
ففيه جوابان: أحدهما: أنهم عرَّضوا بهذا القول , وكَنُّوا عنه من غير تصريح به. والثاني: أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين , ولم يجهروا به , فبقوا على نفاقهم.
«فإن قيل» : فِلمَ قال: {فَتَابَ عَلَيْهِ} , ولم يقُلْ: فتابَ علَيْهِما , والتوبة قد توجهت إليهما؟
قيل: عنه جوابان: أحدهما: لما ذكر آدم وحده بقوله: {فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} , ذكر بعده قبول توبته , ولم يذكر توبة حوَّاء وإن كانت مقبولة التوبة , لأنه لم يتقدم ذكرها. والثاني: أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً , جاز أن يذكرَ أحدهما , ويكونَ المعنى لهما , كما قال تعالى: {وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] وكما قال عز وجل: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] . قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} , أي الكثيرُ القبولِ للتوبةِ , وعقَّبه بالرحمة , لئلا يخلِّيَ الله تعالى عباده من نِعَمِهِ.
وقال الحسن: لم يخلق الله تعالى آدم إلا للأرض , فلو لم يعص لخرج على غير تلك الحال , وقال غيره: يجوز أن يكون خَلَقَهُ للأرض إن عَصَى , ولغيرها إن لم يعصِ. ولم يُخْرجِ اللهُ تعالى آدمَ من الجنة ويُهْبِطهُ على الأرض عقوبةً , لأمرين: أحدهما: أن ذنبه كان صغيراً. والثاني: أنه أُهْبِطَ بعد قبول توبته. وإنما أُهْبِطَ لأحد أمرين: إِمَّا تأديباً , وإمَّا تغليظاً للمحنة.
«فإن قيل» : فَلِمَ قال: {وَعَمِلَ صَالِحاً} على التوحيد , ثم قال: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} على الجمع؟