ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
(الم)
«فَإِنْ قِيلَ» : فقد علموا أنه حروف، فما الفائدة في إِعلامهم بهذا؟
فالجواب أنه نبه بذلك على إِعجازه، فكأنه قال: هو من هذه الحروف التي تؤلفون منها كلامكم، فما بالكم تعجزون عن معارضته؟! فإذا عجزتم فاعلموا أنه ليس من قول محمّد عليه السلام.
قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ)
الرَّيب: الشك.
والهدى: الإِرشاد.
والمتقون: المحترزون مما اتقوه.
وفرَّق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، فقال: التقوى: أخذ عدة، والورع: دفع شبهة، فالتقوى: متحقق السبب، والورع: مظنون المسبَّب.
واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه.
ومثله: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، أي: ما ينبغي لنا.
ومثله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، وهذا مذهب الخليل، وابن الأنباري.
والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدىً للمتقين.
قاله المبرّد.
والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين.
«فَإِنْ قِيلَ» : فقد ارتاب به قوم.
فالجواب: انه حق في نفسه، فمن حقق النظر فيه علم.
قال الشاعر:
ليس في الحق يا أمامة ريب ... إنما الريب ما يقول الكذوب
«فَإِنْ قِيلَ» : فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد المتقين والكافرين، فاكتفى بذكر أحد الفريقين كقوله تعالى: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، أراد: والبرد.
والثاني: أنه خصَّ المتقين لانتفاعهم به كقوله: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها، وكان منذراً لمن يخشى ولمن لا يخشى.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف وحد، فقال: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ) ، ثم جمع فقال: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ؟
فالجواب: أن ثعلبا حكى عن الفراء أنه قال: إنما ضرب المثل للفعل، لا لأعيان الرجال، وهو مثل للنفاق، وإنما قال: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لأن المعنى ذاهب إلى المنافقين، فجمع لذلك.
قال ثعلب: وقال غير الفراء: معنى الذي: الجمع، وحد أولاً للفظه، وجمع بعد لمعناه، كما قال الشاعر:
فإنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ ... هُمُ القَوْمُ كلُّ القوم يا أم خالد
فجعل «الذي» جمعاً.
قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف استثني وليس من الجنس؟