ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} نفى عنه الرّيبة ب (لا) ، على سبيل الاستغراق مع أنه ارتاب فيه المرتابون، لكن نزّل منزلة العدم، تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة، كما نزّل الإنكار منزلة عدمه لذلك.
[لطيفة]
قوله تعالى في البقرة: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} وفي لقمان: {هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) } لأنه لمّا ذكر هنا مجموع الإيمان ناسب (المتقين) . ولمّا ذكر ثمّ الرحمة ناسب (المحسنين) .
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) }
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي: والشهادة، لأنّ الإيمان بكلّ منهما واجب، وآثر الغيب لأنّه أمدح، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة، من غير عكس.
(فائدة)
قال الزمخشري في: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} في تقديم (الآخرة) وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة، على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
وهذا الذي قاله الزمخشريّ في غاية الحسن، وقد اعترض عليه بعضهم فقال: تقديم (الآخرة) أفاد أنّ إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها. وهذا الاعتراض من قائله مبنيّ على ما فهمه من أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك، ثم قال المعترض: وتقديم (هم) أفاد أنّ هذا القصر مختصّ بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: 80] وهذا منه أيضا استمرار على ما في ذهنه من الحصر، أي: أنّ المسلمين لا يوقنون إلّا بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها.