قيل: لأن اللفظ (مَنْ) لفظ الواحد , ومعناه الجمع , فمرةً يجمع على اللفظ , ومرةً يجمع على المعنى , قال الشاعر:
(أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا ... وَقُولاَ: لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا)
قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}
فيه تأويلان: أحدهما: معناه: ليقتل بعضكم بعضاً , وهذا قول ابن عباس , وسعيد بن جبيرٍ , ومجاهد.
والثاني: استسلموا للقتل , وجعل ذلك بمنزلة القتل , وهذا قول أبي إسحاق.
وإنما جُعل القتل توبة , لأن من كفَّ عن الإنكار لعبادة العجل , إنما كف خوفاً من القتال والقتل , فجُعِلَت توبتهم بالقتل , الذي خافوه , هكذا قال ابن جريج.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ}
أما النفس فمأخوذة من النفاسة , وهي الجلالة , فنفس الإنسان أنفس ما فيه , وأما الديار فالمنزل , الذي فيه أبنية المقام , بخلاف منزل الارتحال , وقال الخليل: كل موضع حَلَّهُ قوم , فهو دار لهم , وإن لم يكن فيه أبنية.
«فإن قيل» : فهل يسفك أحد دمه , ويخرج نفسه من داره؟
ففيه قولان:
أحدهما: معناه لا يقتل بعضكم بعضاً , ولا يخرجه من داره , وهذا قول قتادة , وأبي العالية.
والثاني: أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه.
وفيه قول ثالث: أن قوله (أنفسكم) أي إخوانكم فهو كنفس واحدة.
«فإن قيل» : فلم قال: {مَن كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ} وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟
فعنه جوابان: أحدهما: أنهما خُصَّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً. والثاني: أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا , وميكائيل ولينا , خُصَّا بالذكر , لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته , لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة , فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص.
ثم قال تعالى: {فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} , ولم يقل لهم , لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ}
«فإن قيل» : أو كان النبي صلى الله عليه وسلم غير عالم بأن الله على كل شيء قدير , وأن الله له ملك السماوات والأرض؟