روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال"من سأل وله أربعون درهماً فقد ألْحَفَ"
ومعنى"ألحَفَ"أي اشتمل بالمسْألَة، وهو مستغن عنها، واللِّحَافُ من هذا
اشتقاقه لأنه يشْمَل الإنْسَان في التغطية.
والمَعْنَى أنه ليس منهم سؤَال فيكون منهم إلحاف.
كما قال امرؤ القيس""
على لاحِبٍ لا يُهْتدى بمَنارهِ ... إذا سافَه العَوْدُ النباطيُّ جَرْجَرا
المعنى ليس به منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هُؤلاءِ سؤَال فيقع فيه إلحاف.
(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ...(275)
جاز تذكير (جاءَه) وقال: تعالى في موضع آخر (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) لأن كل تأنيث ليس بحقيقي فتذكيره جائز ألا ترى أن الوعظ والموعظة معبران عن معنى واحد.
(وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)
أي (سَمعْنَا) سَمْع قابِلينَ. و (أطَعْنَا) قِبِلْنَا ما سَمِعْنَا، لأن مَن سمع فلم يعْمل قيل له أصم - كما قال جلَّ وعزَّ: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)
ليس لأنهم لَا يسْمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع
قال الشاعر:
أصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيع
(رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ...(286)
فإِن قال قائل - فهل يجوز أن يُحَمِّلَ اللَّهُ أحداً ما لا يطيق؟
قيل له: إدْ أردت ما ليس في قدرته ألبتَّة فهذا محال.
وإن أردت ما يثقلُ ويخف فللَّهِ عزَّ وجلَّ أن يفعل من ذلك ما أحب.
لأن الذي كلفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم (يَثقل) ، وهذا كقول القائل: ما أطيقُ كلام فلان، فليس المعنى ليس في قُدرتِي أن أُكَلِّمَهُ ولكنْ معناه في اللغة أنه يثقل عليَّ. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...