وأنه دعا برجلين فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فلولا أنه كان ملكاً وإبراهيمُ عليه السلام غيرَ ملك لم يتهيأ له أن يقتل وإبراهيم الملك، وهو النبي عليه السلام.
وأمَّا معنى احتجاجه على إبراهيم بأنه يحيي ويميت، وترك إبراهيم مناقضته في الإحياءِ والإماتة، فمن أبلغ ما يقطع به الخصوم ترك الإطالة والاحتجاج بالحجة المُسْكِتةِ لأن إبراهيم لما قال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) كان جوابه على حسب ما أجاب في المسألة الأولى أن يقول: فأنا أفعلُ ذلك فَتَبَيَّن عجزه وكان في هذا إِسكَات الكَافِرِ فقال اللَّهُ عز وجل: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) .
وتأويله انقطع وسَكتَ متحَيِّراً.
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(259)
ليس لأنه لم يكن يعلم قبل ما شاهد، ولكن تأويله: أني قد علمت ما كنت أعلمه غيباً - مشاهدةً.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ...(260)
وإبراهيم عليه السلام لم يكن شاكا، ولكنه لمْ يكن شَاهَدَ إِحْياءَ ميّتٍ، ولا يعْلم كيف تجتمع العظام المتفرقةُ الباليةُ المستحيلة، من أمكنة متباينة فأحب علم ذلك مشاهدة.
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ...(269)
و (الحكمة) فيها قولان:
قال بعضهم هي النبوة.
وُيرْوَى عن ابن مسعود أن الحكمة هي القرآنُ، وكفى بالقرآن حِكْمةً، لأن الأمَّةَ بهِ صارت علماءَ بعد جهل، وهو وصلة إِلى كل علم يُقَرِّب منَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: وذَريعة إِلى رحمته؛ لذلك قال الله تعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) .
(لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ...(273)