لهم الأشعار ولهم السجع والخَطَابةُ، وكل ذلك معروف في كلامها، فقيل لهم ائتوا بعشْر سُورٍ فعجزوا عَنْ ذلك، وقيل لهم ائتوا بسورِة ولم يشترط عليهم فيها أن تكون كالبقرة وآل عمران، وإنما قيل لهم ائتوا بسورة فعجزوا عن ذلك.
فهذا معنى (وَرَفَعَ بَعْضَهُم دَرَجَات) .
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ...(258)
(أَلَمْ تَرَ) هذه كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يعجب منه، ولفظها لفظ استفهام، تقول في الكلام: ألم تر إلى فلان صنع كذا وصنع كذا.
وهذا مما أعْلِمَه النبي - صلى الله عليه وسلم - حُجةً على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يجوز أن يعلمه إلا من وقف عليه بقراءَة كتاب أو تعليم معلم، أو بوحي من اللَّه عزَّ وجلَّ.
فقد علمت العرب الذين نشأ بينهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمِّيٌّ، وأنه لمْ يعَلمْ التوراة والإنجيلَ وأخبارَ من مضى من الأنبياءِ، فَلم يبق وجه تعلم منه هذه الأحاديث إلا الوحيُ.
وقوله عزَّ وجلَّ: (أنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ)
أيْ آتى الكافرَ الملكَ، وهذا هو الذي عليه أهل التفسير وعليه يصح المعنى.
وقال قوم إن الذي آتاه - الله الملك إبراهيمَ عليه السلام وقالوا: اللَّه عزَّ وجلَّ لا يُمَلِكُ الكفَارَ.
وإنما قالوا هذا لذكره عزَّ وجلَّ: (آتاه الملك)
واللَّه قال: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) .
فتأويل إِيتاءِ الله الكافرَ الملكَ ضرب من امتحانه الذي يَمْتَحنُ الله به خلقه، وهو أعلم بوجه الحكمة فيه.
والدليل على أن الكافر هو الذي كان مُلِّكَ إنَّه قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)