[48] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) [البقرة: 196] ؛ ومعلوم أنّ ثلاثة وسبعة عشرة؟ ثمّ، ما فائدة قوله: (كامِلَةٌ، والعشرة لا تكون إلّا كاملة؛ وكذا جميع أسماء الأعداء لا تصدق على أقلّ من المذكور، ولا على أكثر منه؟
قلنا: فائدة قوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ أن لا يتوهّم أن الواو بمعنى أو، كما في قوله تعالى:(فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [النساء: 3] ، وألّا تحلّ التّسع جملة.
فنفى بقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ ظنّ وجوب أحد العددين، فقط؛ إمّا الثّلاثة في الحجّ، أو السبعة بعد الرّجوع؛ وأن يعلم العددين من جهتين جملة وتفصيلا، فيتأكد العلم به؛ ونظيره فذلكة الحساب وتنصيف الكتاب. وأمّا قوله تعالى: (كامِلَةٌ فتأكيد، كما في قوله تعالى:(حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ) [البقرة: 233] ، أو معناه كاملة في الثّواب؛ مع وقوعها بدلا عن الهدى، أو في وقوعها موقع المتتابع؛ مع تفرّقها، أو في وقوعها موقع الصوم بمكّة؛ مع وقوع بعضها في غير مكّة؛ فالحاصل، أنّه كمال وصفا لا ذاتا.
[49] فإن قيل: ما فائدة تكرار الأمر بالذّكر في قوله تعالى: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [البقرة: 198] ؟
قلنا: إنّما كرّره تنبيها على أنّه أراد ذكرا مكرّرا، لا ذكرا واحدا؛ بل مرّة بعد أخرى؛ ولأنه زاد في الثّاني فائدة أخرى، وهي قوله تعالى: (كَما هَداكُمْ، يعني اذكروه بأحديّته، كما ذكركم بهدايته؛ أو إشارة إلى أنّه أراد بالذّكر الأول الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، وبالثّاني الدّعاء، بعد الفجر، بها، فلا تكرار.
[50] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) [البقرة: 198] . إلى أن قال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) [البقرة: 199] وأراد به الإفاضة من عرفات بلا خلاف، وبعد المجيء إلى مزدلفة والذّكر فيها مرّتين، كما فسّرنا كيف يفيضون من عرفات.
قلنا: فيه تقديم وتأخير تقديره: من ربّكم. ثم، أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات.
[51] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: 203] ، ومعلوم أن المتعجّل التّارك بعض الرّمي إذا لم يكن عليه إثم لا يكون على المتأخّر الآتي بالرّمي كاملا؟