الجواب عن ذلك أن يقال: الآية الأولى في هذه السورة جاءت في قتال أهل مكة ألا ترى ما قبلها {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} ثم قال: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل الشرك وهم نازلة الحرم، فاقتصر على «الدين» من غير توكيد على معنى: حتى يكون الدّين حيث هؤلاء لا في كل مكان لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدّين في كل البلاد، وقوله:
{فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} أي: إن انتهوا عن كفرهم فلا عدوان عليهم، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم الجهالة، وأما ما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين، ألا ترى أن قبل الآية: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة فإذا كان ذلك كذلك، وقال بعده: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: لا يكون شرك وكفر اقتضى هذا أن يكون بعده {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فأمر بإبطال كل كفر قدروا عليه، وأتبعه قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: