إن انتهوا وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم بما يظهرون من الإسلام عن قتالهم، فالله يعلم عملكم وعملهم على القراءتين جميعا، فيكون الخطاب للمقاتلين ولفظ المعاتبة للمقاتلين، ويمكن أن يقال: إن الخطاب في «يعملون» يشمل الكل لأنه قال: {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فكلهم قد صاروا مؤمنين، فلا جرم أن ضمهم خطاب واحد، وأعلمهم أنه مجاز لهم على عملهم مطلع على سرائرهم يعرف من كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر، فسوّى بين السر والجهر، واللفظة في ضمنها إذا وردت من القادر الحكيم غاية التخويف والوعيد في العقاب الأليم، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي الطاعة والعصيان، فهذا فرق والسلام.
الآية العشرون
قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} وقال في سورة آل عمران:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} وقال في سورة التوبة:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلف اللفظ في الثلاثة المواضع وهي فيها كلها نعت على الجهاد، وهل صلح ما هو في الأول للآخر أم اقتضاه مكانه بعينه دون غيره؟.