{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل الله كلام أو سلام، كما قال في أوليائه: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} ثم قال: {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} أي: لا يطهرهم من ذنب الكفر بالعفو عنهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم قال:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدى} فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها، فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمان ما لم يجب كتمانه، والإعراض عن تبيين ما وجب تبيانه، والآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية، قال:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا} فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} فقرن به من الوعيد أقل مما قرن بالآية الأولى، وهو أن قال: {لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} أي: لا نصيب لهم من الخير {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} كما يكلم أولياءه {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} نظر رحمة {وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
الآية الثامنة عشرة
قوله تعالى:
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} وقال في آخر هذه السورة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} .
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله: {فَلَا تَقْرَبُوهَا}
والموضع الثاني بقوله: {فَلَا تَعْتَدُوهَا} ؟.