قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وفي سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
للسائل أن يسأل فيقول: الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر
بعث النبي صلّى الله عليه وسلم من كتابهم المنزل عليهم من التوراة والإنجيل والتوعد في الموضعين مختلف والكبيرة واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين؟.
الجواب أن يقال: الوعيد في مكان من المكانين على حسب ما ذكر من عظم الذنب وكبر الجرم، فقال في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} فوصفهم بأنهم خالفوا الله في أمره ونقضوا ما قدم من عهده إليهم، حيث قال: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} فهؤلاء لم يبينوا وكتموا، فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه، ثم قال: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} أي: نصيبا يسيرا من الدنيا، فجاء على هذا غلظ الوعيد، وهو قوله: {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} أي: هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا بمطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم قال: