الجواب عن ذلك أن يقال: لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه، فأما الأول فلأنه لما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وختم بقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} كذا كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته لأن الإله هو الذي يحق له العبادة بما له من النعمة، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
وختم الآية بأن قال: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرمه عليكم في حال الاختيار رحيم بكم، وكذلك الآية الثالثة مبنية على مثل هذا لأن أولها {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فكان مشبها لما قدمنا ذكره، فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وأما الثانية فلأنه قدم عليها ذكر أصناف ما خلقه الله لتربية الأجسام فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ} فذكر الثمار والحب، وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم، خص هذا الموضع بذكر الرب لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب، فكان هذا أليق بهذا المكان والله أعلم.
الآية السابعة عشرة