قوله: {بَعْدَ الَّذِي} ولا في قوله في سورة الرعد: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} وهل لاختصاص هذا المكان فائدة دون المكانين الآخرين؟ قلت: هنا فائدة تقتضي «من» وليست في الآيتين الأخريين، وهي أن أمر القبلة مخصوص بفرائض مضيقة وأوقات مخصوصة لها في اليوم والليلة مؤقتة، فخص ب «من» التي هي لابتداء الغاية، والقبلة شرع كان يجوز نسخه كما نسخ ما هو مثله، فكأنه قال هناك: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالقبلة التي وليتها وأمرت بالتوجه نحوها صرت من الظالمين، فلما تخصص بوقت مضيق محدود، لم يكن بد في المعنى من العلم بالوقت الذي نقل فيه عن القبلة الأولى إلى غيرها، وليس كذلك ما بعد قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى} لأن العلم الذي وقع التوعد معه على اتباع أهواء أهل الكتاب لم يتخصص وجوب العلم به بوقت دون وقت، إذ كان واجبا في الأوقات كلها، ولم يكن مما يجوز أن ينسخ لأنه علم بالإيمان وصحة الإسلام، وبطلان الشرك والكفر، فلما لم يتخصص وجوبه بوقت دون آخر لم يحتج معه إلى لفظة «من» التي هي للحد وابتداء الغاية. وكذلك الآية التي في سورة الرعد لما كان العلم المانع من اتباع أهوائهم علما بأن جميع ما أنزل الله حق، وأن قول الأحزاب الذين ينكرون بعضه باطل كان هذا أيضا من العلوم التي لا يتخصص الغرض فيها بوقت يجب حده بمن، بل هو واجب في الأوقات كلها، فلم يكن لدخول «من» في الآيتين مقتض كما كان له في الآية المتوسطة. ومما يبين لك الأغراض التي أشرنا إليها في الآيات الثلاث، وأنها يجوز أن تكون مقصودة والله أعلم ما اقترن من الوعيد بكل واحدة منها، فالموضع الذي منعه بعلمه عن اتباع أهوائهم في قوله: {وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} هو منع عن الأعظم الذي هو الكفر، فكان الوعيد