عليه أغلظ، وهو قوله: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
والآية الأخيرة أيضا لما كان العلم بها مانعا من العلم بشطر من الدين، وترك شطر منه كان مثل الأول في استحقاق الوعيد، وكان مثله في الغلظة وهو قوله: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} وأما اتباع أهوائهم في أمر القبلة فلأنه مما يجوز نسخه، فكان الوعيد عليه أخف من الوعيد على ما هو الدين كله أو بعضه مما لا يصح تبديله وتغييره، فصار الوعيد المقارن له دون الوعيد المقرون بالموضعين الآخرين، وهو قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي إن فعلت ذلك وضعت الشيء في غير موضعه ونقصت الدين حقه، فهذا الكلام في الفرق بين المواضع الثلاثة.
الآية العاشرة
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً} وفي سورة إبراهيم:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} .
للسائل أن يسأل فيقول: لم كان في هذه السورة بلد نكرة، وفي سورة إبراهيم معرفة؟
الجواب: عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يقال: الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا فكأنه قال: {اجْعَلْ هَذَا} الوادي {هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} لأن الله تعالى حكى عنه أنه قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} بعد قوله: {اجْعَلْ هَذَا}
الوادي {بَلَداً} ووجه الكلام فيه تنكير «بلد» الذي هو مفعول ثان، وهذا مفعول أول