قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: وسئل أبو زرعة عن حديث رواه القواريري، عن يزيد بن هارون، عن حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أدي زكاته فليس كنزًا» .
قال أبو زرعة: هكذا رواه القواريري، والصحيح موقوف.
رجال الإسناد:
• القواريري: عبيدالله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصري (ت 235 تقريبًا) .
ثقة ثبت، متفق على توثيقه.
تهذيب الكمال 19/ 130، السير 11/ 442، التهذيب 7/ 40، التقريب (4325) .
• يزيد بن هارون، ثقة متقن، تقدمت ترجمته في المسألة رقم 529.
• حجاج بن أرطاة، صدوق كثير الخطأ والتدليس، تقدمت ترجمته في المسألة 526.
• أبو الزبير المكي، صدوق يدلس من الثانية، تقدمت ترجمته في المسألة رقم 640.
• جابر بن عبدالله، رضي الله عنه، صحابي، تقدمت ترجمته في المسألة رقم 534.
تخريج الحديث:
روى أبو الزبير هذا الحديث، واختلف على من دونه:
1 -فرواه القواريري، عن يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا.
وتابع الحجاج: خصيف بن عبدالرحمن، وابن أبي أنيسة، ويحيى المدني.
2 -ورواه ابن زنجويه، عن يزيد، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر، موقوفًا.
وتابع يزيد على هذا الوجه: أبو خالد الأحمر.
كما تابع الحجاج عليه: ابن جريج.
وفيما يلي تفصيل ما تقدم:
الوجه الأول:
رواه القواريري، عن يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا:
ذكره المصنف في هذه المسألة، ولم أقف على من أخرجه.
وقد توبع الحجاج على هذا الوجه:
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 8/ 12 _ ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 4، رقم 818 _، من طريق الحسين بن أحمد بن حامد الذهبي، عن عبدالرحمن بن عبدالله ابن هارون الأنباري، عن إسحاق بن خالد بن يزيد البالسي، عن عبدالعزيز بن عبدالرحمن البالسي، عن خصيف بن عبدالرحمن.
وابن عدي في الكامل 7/ 2647، وأبو يعقوب الكاتب في كتاب المناهي وعقوبات المعاصي (ق 93/ ب) ، من طريق يحيى بن أبي أنيسة.
وابن عدي في الكامل 7/ 2652، من طريق يحيى بن سعيد التميمي المدني.
كلهم عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه مرفوعًا.
وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما روي عن ابن عمر، قال أحمد: اضرب على حديث عبدالعزيز البالسي، فإنه كذاب، أو قال: وضاع.
وقال ابن عدي: وهذا قد أمليته عن يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر، وليس الحديث بمحفوظ عن ابن أبي أنيسة ولا عن غيره.
قلت: وفي إسناد الخطيب: عبدالعزيز بن عبدالرحمن البالسي ضعيف جدًا، وقد اتهمه الإمام أحمد، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال (اللسان 4/ 34) ، وفيه أيضًا خُصَيف بن عبدالرحمن: صدوق سيئ الحفظ خلط بأخرة (التقريب 1718) .
وفي إسنادي ابن أبي عدي: يحيى بن أبي أنيسة: ضعيف (التقريب 7508) .
ويحيى بن سعيد: ضعيف جدًا، قال عنه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: يروي عن الزهري أحاديث موضوعة، متروك الحديث. وقال ابن عدي: يروي عن الثقات البواطيل. وضعفه غير واحد. (اللسان 6/ 258) .
وعليه فلا يصلح من هذه المتابعات إلا رواية ابن أبي أنيسة، وهو ضعيف، كما تقدم.
الوجه الثاني:
رواه ابن زنجويه، عن يزيد، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر، موقوفًا.
أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال 3/ 1235، رقم 2353، عن يزيد، به.
وتوبع يزيد على هذا الوجه:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 190، عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج، به.
وتوبع حجاج على هذا الوجه:
أخرجه عبدالرزاق 4/ 107، رقم 7145، عن ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: إذا أخرجت صدقة مالك فقد أذهبت شره، وليس بكنز [1] .
ومما تقدم فلعل الوجهين محفوظان عن حجاج ابن أرطاة، إذ الرواة عنه فيهما ثقات، وهو كما تقدم: صدوق كثير الخطأ والتدليس، فلعله كان يحدث بهما معًا، والله أعلم.
النظر في المسألة:
مما تقدم يتضح أنه اختلف على أبي الزبير، وعلى من دونه، وخلاصة ما تقدم ما يلي:
1 -رواه حجاج بن أرطاة، في أحد وجهين عنه، وخصيف بن عبدالرحمن، ويحيى ابن أبي أنيسة، ويحيى المدني، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا.
ورواه الحجاج أيضًا، وابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، موقوفًا.
وتقدم أن رواية خصيف بن عبدالرحمن، ويحيى المدني لا تثبتان، فالإسناد إليهما ضعيف جدًا، وأما ابن أبي أنيسة فهو ضعيف، والحجاج: صدوق كثير الخطأ والتدليس.
وأما ابن جريج فهو ثقة يدلس، وقد صرح بالتحديث.
وعليه فلعل الوجه الثاني أرجح، حيث رواه ثقة كذلك، في حين لا يثبت الوجه الأول إلا من رواية الحجاج، وابن أبي أنيسة، والحجاج قد رواه أيضًا على الوجه الثاني، فلا يبقى إلا رواية ابن أبي أنيسة، وهو ضعيف، كما تقدم.
ومنه يتضح صحة ما ذهب إليه أبو زرعة من ترجيحه لرواية الوقف، ويؤيده تقرير البيهقي أيضًا لترجيح رواية صدر الحديث موقوفًا كما تقدم.
ولكن يفهم من كلام أبي زرعة أن الحمل في الوجه الأول على القواريري، حيث قال: هكذا رواه القواريري، والصحيح موقوف.
وفي ذلك نظر، فالقواريري كما تقدم ثقة ثبت، ولعل الحمل في ذلك على من فوقه، وهو الحجاج، فهو كثير الخطأ، وحمل الخطأ عليه أولى، لأنه أدنى حالًا من القواريري، كما تقدم، والله أعلم.
والحديث من وجهه الراجح إسناده صحيح إلى جابر، لكنه موقوف.
وقد روي بمثل متنه مرفوعًا عن غير واحد من الصحابة، وفيها مقال، وورد له شواهد صحيحة، أخرج أحدها البخاري تعليقًا.
انظر الفتح 3/ 318، رقم 1404، الدر المنثور 4/ 177، الصحيحة 2/ 94، رقم 559.
[1] كما روي هذا الحديث عن ابن جريج بشطره الأول فقط، واختلف فيه على ابن جريج:
1 -فرواه ابن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: أخرجه ابن خزيمة 4/ 13، رقم 2258، و 110، رقم 2470، والخطيب 5/ 106، وأبو شعيب الحراني في فوائده (ق 81/ أ) ، وابن المقرئ في معجمه (ق 6/ ب) _ ومن طريقه ابن نقطة في تكملة الإكمال 4/ 129 _، ورواه ابن عساكر في معجم شيوخه (ق 219/ أ) _، كلهم من طريق يونس بن عبدالأعلى. والحاكم 1/ 390، _ وعنه البيهقي في الكبرى 4/ 84 _، من طريق هارون بن سعيد الأيلي. كلاهما عن ابن وهب، عن ابن جريج، به مرفوعًا: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وتوبع ابن جريج على هذا الوجه: أخرجه الطبراني في الأوسط 2/ 347، رقم 1602 عن أحمد بن حمدون، عن محمد بن عمار الموصلي، عن عمر بن أيوب، عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رجل من القوم: يا رسول الله، أرأيت إذا أدَّى رجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدَّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره» . وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مغيرة إلا عمر، تفرد به محمد بن عمار. قلت: وفي إسناد الطبراني: أحمد بن حمدون، لم أقف له على ترجمة، وعمر بن أيوب، والمغيرة، كلاهما قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام (التقريب 4867، 6834) .
وفي قوله ذلك عن عمر نظر، فالأكثر على توثيقه، ولم أر ما ينزله عن درجة الثقة (التهذيب 7/ 428) وأما المغيرة فقد قال عنه الحاكم: يقال: أنه حدَّث عن عطاء، وأبي الزبير بجملة من المناكير (تهذيب الكمال 28/ 362) .
وعليه فهو ضعيف فيهما، والله أعلم.
2 -ورواه عبدالرزاق، وأبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا: أخرجه عبدالرزاق كما تقدم 4/ 107. والبيهقي في الكبرى 4/ 84، من طريق أبي مسلم، عن أبي عاصم (وهو الضحاك بن مخلد) . كلاهما، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: إذا أديت زكاة كنزك فقد ذهب شره. وقال البيهقي، فذكره موقوفًا، وهذا أصح. وقلت: ولعله كما قال البيهقي، حيث رواه على الوجه الثاني ثقتان، في حين رواه على الأول، وهو الرفع ثقة واحد إضافة إلى أنه قد رواه ابن جريج - وهو مدلس - في الوجه الثاني مصرحًا فيه بالتحديث، وأما المتابعة لا بن جريج على الوجه الأول ففي ثبوتها نظر، كما تقدم، والله أعلم.