بالحاضر باتجاه واحد جامد. الماضي والحاضر والمستقبل تشكل الأبعاد الثلاثة للديمومة، أي للتجربة الوجودية المعاشة زمنية. فالماضي يحدد الحاضر والمستقبل، ولكن الحاضر بلون بخصائصه تجربة الإنسان التاريخية من ناحية، ويصبغ استشفافه لمستقبله من ناحية ثانية. كذلك فإن المستقبل يؤثر على نوع تجربتنا الحاضرة، على إدراكنا له، كما يؤثر على إدراكنا لماضينا كل من أبعاد الديمومة ينحدد بالبعدين الباقيين، ويحددهما في آن معة، مما يجعلنا نعيش الزمن في أي لحظة كوحدة كلية لها لونها الوجداني المميز. آلام الماضي تؤثر على الحاضر فتجعله أشد وطأة، وعلى المستقبل فتجعله أكثر مدعاة للقلق. أفراح الحاضر تدخل التفاؤل على المستقبل كما أنها تخفف من معاناة الماضي. الآمال التي يحملها المستقبل تخفف بدورها من وطأة المعاناة الحاضرة وتنسينا متاعب الماضي. تلون أي بعد من أبعاد الديمومة، ينعكس سلبا أو إيجابا على الديمومة كلها. ولكن هذا اللون بدوره ينحدد شدة ودلالة انطلاقا من كلية الديمومة.
إن طول معاناة الإنسان المقهور، ومدى القهر والتسلط الذي فرض عليه، ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر، وانسداد آفاق المستقبل. العجز أمام التسلط وما يستتبعه من عقدة نقص، والعجز أمام قوى الطبيعة وما يحمله من انعدام الشعور بالأمن، يجعلان الإنسان المتخلف فاقدا للثقة بنفسه وإمكاناتها، فاقدة الإحساس بالسيطرة على مصيره في يومه وغده. كلك فإن انعدام الضمانات في الصحة والرزق يجعله نهبا للظروف واعتباطها. فهو لا يدري مني يعمل ويحصل على قوته وقوت عياله، وإذا عمل فلا بدري كم يستمر العمل وكم يدوم الرزق. وهو لا يدري متى يقعده المرض وإلى أي حد وماذا سيحل به وبذويه من بؤس.
القهر والعجز وانعدام الضمانات المستمرة، ماضية وحاضرة، تصبغ المستقبل بالتشاؤم، فتنسد آفاقه، ويفقد الإنسان المتخلف الثقة بإمكانية الخلاص. انسداد آفاق المستقبل يضخم بشكل غير محتمل آلام الحاضر ومشكلاته. اليأس من الخلاص، ومن خلال الجهد الذاتي، هو ما يميز نظرة الإنسان المقهور إلى المستقبل، ولذلك فإن قلق الحاضر ومصاعبه تأخذ طابعة متازمة. كل شيء يثير في نفسه خوف الكارثة. إذ إن المعاناة الحاضرة التي لا تجد لها إمكانية خلاص في مستقبل منظور تحول الحياة إلى جحيم. درجة التوتر الانفعالي عالية بشكل غير طبيعي مما يجر ردود فعل متطرفة، وذات طابع انفعالي خال من العقلانية والتقدير الموضوعي للواقع. ومع ذلك التوتر تزداد العدوانية المتراكمة والمقموعة وطاة، وتصل عتبة الانفجار، مما يثير قلق هذا الإنسان خوفا من نتائج عدوانيته التي يخشى أن تفلت من عقالها. وهو لهذا السبب يضاعف جهده لقمع طاقته الحيوية، من خلال مزيد من الرضوخ الاستسلامي طلبة للسلامة.