فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 248

بشيء من الجبروت. بأنه وجماعته المسلحة فئة لا تقهر، تنهار أمامها الحواجز والصعاب. يحس بنوع من الاستثناء، فكل شيء مسموح له، وكل التجاوزات. ولذلك فهو يزدري كل القيم السابقة، ويشعر بالحاجة إلى كسر كل القواعد التي حكمت حياته. ويحدث في أغلب الأحوال نوع من التركز حول الذات، فكان العالم كله يجب أن ينتظم انطلاقا منه هو وتبعة الوضعه. هناك تضخم ذاتي يقابله انحسار في قيمة وأهمية المحيط، على العكس تماما من مرحلة الرضوخ. هذا التضخم يؤدي إلى سيطرة مزاج نفاجي 1 على الإنسان، نوع من الإحساس بالامتداد والعظمة، فبدل الاجترار السوداوي وما يرافقه من إدانة للذات وانحسار الها وجمود للديمومة وياس من المستقبل، نلاحظ أن الإنسان المقهور الذي حمل السلاح ونهر الموت، يعيش نوعا من السيادة على مصيره. كأن الزمن قد أذعن له، فتكتسب الحياة دينامية متسارعة، وتسود العجلة، وتظهر التصرفات الاهتياجية 2 بما فيها من تسرع وطنين وصخب، ويبدو كل شيء في متناوله، يطغى نوع من الحبور على الحالة المزاجية، ويصطبغ المستقبل بالتفاؤل المفرط والمبالغ فيه دون سند كاف من الواقع. هذه الحالة إذا كانت حتمية في بداية العمل المسلح، فإنها تحمل خطر التحول من خلال ترسخها والثبات عليها (لما تحمله من إرضاءات وتعويضات نفسية) إلى عقبة أمام عملية التحرر طويلة الأمد، التي تتطلب الكثير من الجهد الصامت والتعامل الصبور مع الواقع بكل تفاصيله. إذ إن سيطرة المزاج النفاجي والحالة النفسية الاهتياجية تلغي الواقع تماما من خلال ازدرائه، وهنا مكمن الخطورة فيها، وضرورة التنبه لها، فمن الممكن إلغاء الواقع سحرية، ولكن ذلك لن يغيره بحال من الأحوال. تلك مشكلة توقف عملية التحرير عند حد ردود الفعل التعويضية).3

من الأخطار التي تنتشر في هذه المرحلة، نظرا لغياب الأطر المرجعية الجديدة التغييرية) وعدم حلولها محل الأطر المرجعية السابقة، استمرار هذه الأطر، وممارسة العمل المسلح من خلال مرتبية التسلط والرضوخ. نقصد بذلك تحديدا مسألة التماهي بالمتسلط في استعمال العنف والسلاح، فالإنسان المقهور الذي حمل السلاح دون ثقافة سياسية كافية، توجه وضعه الجديد، قد يقلب الأدوار في تعامله مع الجمهور أو مع من هم في إمرته

فيتصرف بذهنية المتسلط القديم، يبطش، يتعالى، بتعسف، يزدري، وخصوصا يستغل قوته الجديدة للتسلط والاستغلال المادي والتحكم بالآخرين. أو هو يمارس العمل المسلح بذهنية عشائرية، يتمسك بالانتماء العشائري والإقليمي في تعامله مع الآخرين جمهورة ومسلحين،

(1) تفاج Megalomanie

(2) الاهتياج Massie.

(3) رد الفعل التعريفي Reaction de compensation .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت