وهكذا نرى أن الرئيس الأمريكي هاري ترومان، في ذلك الوقت، يروي بنفسه ما حدث في فصلين من مذكراته، فيقول بأن الضغط اليهودي اشتد على البيت الأبيض ووصل إلى أقصى المدن في برقيات تنهال عليه كل يوم من آلاف الأفراد، ومئات المنظمات، ومن وفود تاتي حاملة العرائض والشكاوي، بينما أعضاء الكونغرس يقيمون الدنيا ويقعدونها، والصحف تطفح بالدعاية الصهيونية ... وكل هؤلاء يطالبون الرئيس بان يعلن أن الحكومة الأمريكية ما زالت متمسكة بقرار تقسيم فلسطين، وما زالت مؤيدة قيام الدولة اليهودية في فلسطين ... وقد ضاق ترومان، بهذا كله فقرر ألا يقابل أي صهيوني أو أي أحد يريد أن يتحدث اليه في موضوع فلسطين.
وجاء الى واشنطن رئيس الوكالة اليهودية، حاييم وايزمان، الذي نجح في انتزاع وعد بلفور من بريطانيا قبل هذا بثلاثين سنة ... وطلب مقابلة ترومان فرفض البيت الأبيض، لأن الرئيس لا يريد أن يقابل أحدا من الصهيونيين ...
ثم يقول الرومان، في مذكراته أن صديقه القديم وايدي جاكسون،، الذي كان شريكه في محل خردوات في مدينة شيكاغو، جاء يوما لزيارته ... وتحدث اليه حديث الأصدقاء القدماء قائلا: «ماذا جرى لك يا هاري؟ أنت الرجل المتواضع الإنسان، كيف ترفض مقابلة رجل مسن مريض هو حاييم وايزمان الذي ينتظر في واشنطن منذ شهرين ملتمسا مقابلتك فلا يحظى بها ... أنا لا أطلب منك أن تقبل أو ترفض ما يقوله وايزمان، فهذا متروك لك، وأنا لست رجل سياسة، وإنما أطلب اليك من الناحية الانسانية أن تسمح لهذا الرجل المسن أن يقابلك وأن تستمع اليه ....
ويقول ترومان أنه يحب صديقه القديم جاكسون، ويعهد فيه الاخلاص والأمانة، ويكبر فيه قناعته بما قسمه له الله، فلم يطلب في يوم ما شيئا لنفسه من صديقه الذي صار رئيسا للجمهورية ... ولهذا رأى أن يقابل وايزمان ويمضي معه ساعتين، قدم له وايزمان بعدها كتاب التوراة، عربونا لتحالفهما،