فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 148

قال: فلا تفعل، فإني ناصح.

وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع والرعب، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة، بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة، وطبعًا فهو ينجح في تجنب لقائه. فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم. قال: فأبلغوا محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة؛ لنستأصله ونستأصل أصحابه. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم بحمراء الأسد، فأخبرهم بالذي قال له أبو سفيان، وقالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ} ـ أي: زاد المسلمين قولهم ذلك ـ {إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [1]

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ـ بعد مقدمه يوم الأحد ... ـ الإثنين والثلاثاء والأربعاء ـ التاسع، والعاشر، والحادي عشر من شوال سنة ثلاث هجرية ـ ثم رجع إلى المدينة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إلى المدينة أبا عَزَّة الجمحي ـ وهو الذي كان قد منّ عليه من أساري بدر؛ لفقره وكثرة بناته، على ألا يظاهر عليه أحدًا، ولكنه نكث وغدر فحرض الناس بشعره على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، كما أسلفنا، وخرج لمقاتلتهم في أحد ـ فلما أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، أقلني، وامنن على، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدًا ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ، ثم أمر الزبير أو عاصم بن ثابت فضرب عنقه. [2]

وكان خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لملاحقة المشركين في غزوة حمراء الأسد يهدف لتحقيق مجموعة من المقاصد المهمة، منها:

1 -ألا يكون آخر ما تنطوي عليه نفوس الذين خرجوا يوم أحد هو الشعور بالهزيمة.

2 -إعلامهم أن لهم الكرة على أعدائهم متى نفضوا عنهم الضعف والفشل واستجابوا لدعوة الله ورسوله.

3 -تجرئة الصحابة على قتال أعدائهم.

4 -إعلامهم أن ما أصابهم في ذلك اليوم إنما هو محنة وابتلاء اقتضتها إرادة الله وحكمته وأنهم أقوياء، وأن خصومهم الغالبين في الظاهر ضعفاء. [3]

كما أن في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد إشارة نبوية إلى أهمية استعمال الحرب النفسية للتأثير على معنويات الخصوم، حيث خرج صلى الله عليه وسلم بجنوده إلى حمراء الأسد، ومكث فيها ثلاثة أيام، وأمر

(1) الآيتان من سورة آل عمران: رقم 173، 174

(2) انظر: زاد المعاد 3/ 216، سيرة ابن هشام 2/ 121، الرحيق المختوم ص 282

(3) في ظلال القرآن (1/ 519)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت