عند أهل الأصول؟ فالجواب: أنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم وخرج عن كونه خبر واحد مجردا، واختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتا بالقرآن أم باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فحكى الماوردي في الحاوي وجهين في ذلك لأصحابنا، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال أن القرآن ينسخ السنة، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى، والقول الثاني له وبه قال طائفة: لا يجوز؛ لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها، وهؤلاء يقولون لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة بل كان بوحي قال الله تعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) الآية، واختلفوا أيضا في عكسه وهو نسخ السنة للقرآن، فجوزه الأكثرون، ومنعه الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة. [1]
وقال ابن حجر: في هذا الحديث من الفوائد: الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا، وفيه أن تمنى تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك، وفيه بيان شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال، وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم. [2]
موقف الطوائف المختلفة من تحويل القبلة:
قال ابن القيم: وَكَانَ لِلّهِ فِي جَعْلِ الْقِبْلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمّ تَحْوِيلِهَا إلَى الْكَعْبَةِ حِكَمٌ عَظِيمَةٌ وَمِحْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، فَأَمّا الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَقَالُوا: ... {آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا} [3] وَهُمْ الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَلَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً عَلَيْهِمْ. وَأَمّا الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: كَمَا رَجَعَ إلَى قِبْلَتِنَا يُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دِينِنَا وَمَا رَجَعَ إلَيْهَا إلّا أَنّهُ الْحَقّ، وَأَمّا الْيَهُودُ فَقَالُوا: خَالَفَ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ نَبِيّا لَكَانَ يُصَلّي إلَى قِبْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمّا الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا: مَا يَدْرِي مُحَمّدٌ أَيْنَ يَتَوَجّهُ إنْ كَانَتْ الْأُولَى حَقّا فَقَدْ تَرَكَهَا وَإِنْ كَانَتْ الثّانِيَةُ هِيَ الْحَقّ فَقَدْ كَانَ عَلَى بَاطِلٍ، وَكَثُرَتْ أَقَاوِيلُ السّفَهَاءِ مِنْ النّاسِ وَكَانَتْ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّا عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ} [4] ، وَكَانَتْ مِحْنَةً مِنْ اللّهِ امْتَحَنَ بِهَا عِبَادَهُ لِيَرَى مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِنْهُمْ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَلَمّا كَانَ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَشَأْنُهَا عَظِيمًا وَطّأَ سُبْحَانَهُ قَبْلَهَا أَمْرَ النّسْخِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ وَأَنّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ، ثُمّ عَقّبَ ذَلِكَ بِالتّوْبِيخِ لِمَنْ تَعَنّتَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ، ثُمّ ذَكَرَ بَعْدَهُ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى وَشَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَحَذّرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَاتّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، ثُمّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ وَشِرْكَهُمْ بِهِ وَقَوْلَهُمْ إنّ لَهُ وَلَدًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّا، ثُمّ أَخْبَرَ أَنّ لَهُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَأَيْنَمَا يُوَلّي عِبَادُهُ وُجُوهَهُمْ فَثَمّ وجهه، ... ثم أَخْبَرَ أَنّهُ لَا يَسْأَلُ رَسُولَهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ الّذِينَ لَا يُتَابِعُونَهُ وَلَا يُصَدّقُونَهُ، ثُمّ أَعْلَمَهُ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتّبِعَ
(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 5/ص 9
(2) فتح الباري ج 1/ص 96
(3) الآية من سورة آلُ عِمْرَانَ، رقم 7
(4) الآية من سورة الْبَقَرَة، رقم 143