فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 148

وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ ثُمّ قَالُوا: عَضَلٌ وَالْقَارّةُ؛ - أَيْ: كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارّةِ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ -. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: اللّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. [1]

هكذا استقبل النبي صلى الله عليه وسلم غدر بني قريظة بالثبات والحزم واستخدام كل الوسائل التي من شأنها أن تقوي روح المؤمنين وتصدع جبهات المعتدين، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه (سلمة بن أسلم) في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل، يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير ليرهبوا بني قريظة، وفي هذه الأثناء استعدت بنو قريظة للمشاركة مع الأحزاب، فأرسلت إلى جيوشها عشرين بعيرًا كانت محملة تمرًا، وشعيرًا، وتينًا لتمدهم بها وتقويهم على البقاء إلا أنها أصبحت غنيمة للمسلمين الذين استطاعوا مصادرتها وأتوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. [2]

ثانيًا: تشديد الحصار على المسلمين وانسحاب المنافقين ونشرهم الأراجيف:

زادت جيوش الأحزاب في تشديد الحصار على المسلمين بعد انضمام بني قريظة إليها، واشتد الكرب على المسلمين، وتأزم الموقف، وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ وَاشْتَدّ الْخَوْفُ وَأَتَاهُمْ عَدُوّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ حَتّى ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ كُلّ ظَنّ، وَنَجَمَ النّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، وقد تحدث القرآن الكريم عن حالة الحرج والتدهور التي أصابت المسلمين ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزع وخوف، وفزع في تلك المحنة الرهيبة أصدق وصف، حيث قال تعالى: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا - هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا ... شَدِيدًا) [3] ، وكان ظن المسلمين بالله قويًا، وقد سجله القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [4]

وأما المنافقون فقد انسحبوا من الجيش، وزاد خوفهم حتى قَالَ مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: كَانَ مُحَمّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ. [5] ، وطلب البعض الآخر الإذن لهم بالرجوع إلى بيوتهم بحجة أنها عورة، فقد كان موقفهم يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين، وقد وردت روايات ضعيفة تحكي أقوالهم في السخرية والإجحاف والتخذيل [6] ، ولكن القرآن الكريم يتكفل بتصوير ذلك أدق تصوير، والآيات هي: (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم

(1) انظر: سيرة ابن هشام 2/ 222، والسيرة النبوية لابن كثير (3/ 200) ، والبداية والنهاية (4/ 119)

(2) انظر: السيرة الحلبية (2/ 323)

(3) الآيتان من سورة الأحزاب: رقم 10، 11

(4) الآية من سورة الأحزاب: رقم 22

(5) سيرة ابن هشام 2/ 222

(6) انظر: المعجم الكبير للطبراني (11/ 376) ، ومجمع الزوائد (6/ 131)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت