و الحاصل أن النجاة من الذنوب، والفوز من العيوب، لا يمكن إلا بعد رؤية الحقائق، ومتابعة الأمور بالدقائق.
و إني أفضّل الموت، والموت خير لي من عيشي عيش البهائم، وإن الحياة في الدنيا لعب ولهو، والمائل إليها يكون في حيرة وبهو، لأن حقائقها تتقلب، وأمورها تضطرب، فالقيام فيها يميل إلى القعود، والتيقظ فيها ينحدر إلى الرقود، والسعي فيها معناه السكون، والعقل فيها يفسر بالجنون، فهي دار لا تغتر بالعقلاء، ولا يميل إليها السعداء، بل يعملون بالحق ولو في المرارة، أو سيعذبون بالحرارة، وإني تمسكت بمذهب أهل السنة لما جاءتني البشارة، وأن الله سيحفظني وكل من تبع الحق من الخسارة.
و إني أطلب منك العفو من كل ما خرج من فمي إليك من السب والشتم، وأنا بالله أتأسف وأنا في الندم قلت لا تجعل في قلبك شيء من الندم لأننا سمعنا أمثال هذه الشتائم، في الحفلات والولائم، ولكن سبق أن سقط في قلوبنا اليقين، من كلام الله ورسوله الأمين، لأنه ليس في بني آدم من لا يخطئ قط، وأن كل ما يخرج من فيه هو الصواب فقط، وإني كنت ربيت وأدبت مع هذه الجماعة، وعلمت لغة الشتم والسب وكنت خبيرا في هذه الصناعة، لا إكراه فيك، ولا استعمل من أجل قبول بالحق شيء من الضغط والإكراه، ولا أجبرك ولا أصر عليك لتكون في يقظة والانتباه، لا اعتراض عليك ولا حرج، ولا أقودك كالأعرج يقود الأعرج، ولست حارس المرمى، حتى أخبرك فتعتذر أنك أعمى، إن أنا إلا باحث عن سبيل النجاة، وإنه كتبته على نفسي قبل الوفاة، فاكتشفت الحق.
و إني لا أتكلم باسم أهل السنة والجماعة، ولست من العرب ولا أعرف النحو ولا الصرف ولست خبيرا في البلاغة والبراعة، وإني لم أشتغل بأكل الخوخ والموز، بل شغلني البحث عن باب النجاة والفوز، حتى ذاب عني الشهوات، وسألت الله العفو من الهفوات.
و إنك لما دعوتني إلى المقابلة، أردت أن أرفض ولا أقبل بتلك المجادلة، لأني لا أريد أن أعرف، ولا بالعلم أن أوصف، فاستترت في كوخ الاختفاء، فكرهت ضخامة الاسم وعلو المسمع والارتقاء، إلا أنك جئتني بشرط، ثم بآخر ثم أردت الازدياد، وهددتني بالدعوة علي بالفساد، فقبلت الطلب على كراهية مني وعدم الرضا, فبسببه ضعفت قوة جسمي فأصبحت من المرضى.
و لما أغلقت باب الزيارة، وكلمته بكل ما عندي من العبارة، حمله إنصافه، وقاده إخلاصه، على أن يكون مبلغ مذهب أهل السنة في وطنه، وأنه لا يعبد أحدا بعقله وذهنه، ويخبرهم حقيقة مذهب أهل