فآنست حسن خلقك وتقواك، ورزانة موقفك ومأواك، وعدم وجود فيك سرعة الغضب، ومع إهانتي إياك لم تحرك آلة القلب، بل أكرمتني في الجواب، ودعوتني بابن رسول الله في الكتاب،
وقد انفتح علي من معارفك باب عجيب، ودخل في قلبي علم غريب، وهو دليل واضح على صحة ادعائك، واتساع نور ضياءك، وعلى إصابة رأيك بحجة منيرة، وعلى سلامة مذهبك بأدلة مبيرة، ويكفي لمن كان ممارا في المضمار، ولو كان بعيد الدار و لما أفضيت في إلقاء كلمتك، جمعت على طاولة ذهني، كثير من الأحاديث والسير، وعلوم الشريعة والتفسير، وفكرت فكرا عميقا، ونظرت نظرا دقيقا، في كل قول من أقوالك، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة علي مع الصحابة، لو كانت سيئة فعلا لكان من المهاجرين، ولنبز قبورهم عن جوار قبر النبي إمام المرسلين، ولأسعل حربا وجهادا،
اعلم أن قطع العلاقة بيني وبين مذهب أهل البيت سببه كان في تلك الندوة، لما صعدت على هذه الربوة، ربوة أهل السنة والجماعة، وابتعادي عن أهل السنة [بكسر السين] والشناعة، وقلت إني وجدت الحق مع أهل السنة، فما كان جوابهم إلا الشتم والسب، ووصفوني بالبوم والضب، فما اهتممت بقعقعاتهم، ولا عبأت بضعضعاتهم، ولم يزل أمر سبهم يرمي بشرر، كأنه ضوضاء وبر، وجعل لعابهم يسيل كالأرض تفجر الماء المنهمر، أو كالجبل والبركان منه ينحدر، ورأوا أدلة فأرادوا أن يستروها، وظهرت البراهين فحاولوا أن ينكروها، عن طريق فمي، وإني لن أكون متعصبا وإن سيجرى على الأرض دمي، وصالوا علي وهم يطعنون، وهجموا علي وهم يلعنون، وكذبوا علي، ووقفوا بين يدي، وقطعوا كل العلاقات، وطلقوني ثلاث طلاقات، لا فيها رجوع ولا إياب، وما نقموا مني إلا أني تمسكت بسنة رسول الله الوهاب، وبكوا من أجل الحفرة التي كنت أسد، وكاد أن يمزق بكاءهم الخد، وصبرهم كبارهم كمعزي يصبّر أهل ميت، لمفارقة رب بيت، فما صبروا لأنهم فقدوا حارس المرمى، ومشوا خلف بعضهم البعض كأعمى يقوده الأعمى، وما اجتمعوا في حلقة، وما أنفقوا من نفقة، إلا وهم يلعنون، وما دخلت في بيت من بيوتهم، أو في مسجد من مساجدهم، إلا وجدناهم في شأننا يتكلمون، وإنا مع كوننا من أهل البيت النبوي، أوذينا بأنواع شتى من الإيذاء، ولعل ذلك من كيد العلماء، حتى أخذنا إلى السجون، على عنوان أننا تكلمنا في شأن من الشؤون، وأن تلك الشؤون تتعلق بالسياسة، وفي شأن من يليق بالرياسة، ... ومكروا كل مكر، وكادوا جميع الكيد، لإضفاء نور السنة، ولإيصال إلينا بالظلمة، وما كانت عادتنا التزعزع والاضطراب، وإنا لننتظر النصر والنجاة من رب الأرباب، وكلما سعوا ليبلوني ببلية، أو يتهموني بفرية، يجعلها الله لي نعمة وبركة، وتنقلب عليهم نقمة ومهلكة، وهم خاسرون ثم إني وفقت من الله اللطيف، فكنت كدودة وقد خلقها الله في الكنيف، وأعطاني النجاة، كما أعطى الدودة الحياة، فكنت من المتنعمين