كانت في مدينة من مدن السعودية، تعرفونها جدا حق المعرفة، وهي المدينة المنورة، وليس منكم من أحد إلا تعلم من جامعتها أو تمنى لو أتيح له الحظ فهو بذلك من المتخيلين، أو زارها حاجا أو عمرة وتنعم برؤية آثار الصحابة، ومراقد أبناء النبي، وأظنكم تتأكدون أن فيها دفنت بنت النبي فاطمة، وكانت محزونة لكنها ظلت كاتمة، لذلك أنتم في مكان قبرها من الجاهلين .... فهناك وقعت هذه القصة فبعد موت النبي بقليل وقعت هذه البدعة ... كان المسلمون يتزاحمون على مسجد النبي ليصلوا نوافلهم فرادى، وقد كانوا يعلمون أن صلاة الجماعة لا تحل إلا في الفرائض وهم في ذلك لا يرتابون، لأنهم صاحبوا رسول الله وسمعوا منه وهو يقول إن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة، وسبب خروجهم إلى المسجد هو كما تعلمون أنهم كانوا في رمضان، وكان ذلك في آخر الربيع أو أول الصيف، وقد اشتد الحر ولم يعد الجو باردا ملائما للبقاء في البيوت، فلفظتهم حرارة الغرف إلى خارجها وهم يتنعمون، فانتهزوا فرصة الحرارة ليصلوا نوافلهم في مسجد النبي لكن عن طريق الفرادى وأنتم بذلك من الشاهدين.
كانوا يتزاحمون في المسجد ويتدافعون كل يصلي بصلاته، في زاوية من زواياه وهم يتمتعون، وإنهم لكذلك إذ سمعوا صوتا ذات يوم من المارين، وكأنهم لم يسمعوا مثله في الأولين، {لو اجتمعوا على رجل واحد لكان أحسن} فكثرت لفتات الناس يمنة ويسرة إلى صاحب الصوت وأين مصدره وهم في ذلك من المتحيرين، فقد كانوا مع رسول الله {ص} منذ ثلاثة سنوات مضت وهم معه يصلون، ولم يكد هذا الصوت يصل إليهم حتى فقدوا وعيهم، لأن هذا يخالف تعليم معلمهم واستيقنوا أنه لم يترك شيئا يقربهم إلى الله إلا علمهم ودعاهم إليه، واستيقنوا أيضا أنه ليس على وجه الأرض من أعلى منه حتى يأتي بشيء يناقض تعليمه إلا أن يكون من الأنبياء أو من المرسلين كان هذا كله في لحظة وقد التفتوا إلى صاحب الصوت، واستعدوا ليقولوا. إن معلمهم قال {صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة} ولكن لم يكدوا يلتفتوا بأبصارهم حتى عرفوا أن صاحب الصوت هو عمر بن الخطاب، فقال إن باب السؤال والنقاش قد أغلق، ثم ولى عنهم وهو من المدبرين .... ومن يدري لعله لم يكن عمر إلا شيطانا أخذا بصورته وتكلم بكلامه وأضلهم وهم يحسبون أنهم مهتدون، ثم ابتلعته الأرض، أو اختطفته السماء فأصبح من الغائبين، أو لعله عمرا لكن لم يقل ذلك إلا هزوا ولعبا فهم بخوف منه أخذوه بجدّ وهم منه خائفون.
والشيء المحقق هو أن عمر لم يصلها قط طول حياته، ومن منكم يتجرأ أن يقول بأن أبا بكر قد صلاها، وما هذا الإصرار على البدعة والعكوف على أمر محدثة وأنتم تعلمون، ثم تقولون في مجالسكم، وترفعون أصواتكم في محاضراتكم وعلى منابركم {كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار} والشيء المحقق أيضا هو أن جميع كتب التواريخ قد كتبوا هذه القصة ب {نعمة البدعة هذه}