الكسب المفرط بالقوة، أو هو العكس من ذلك يكون هو الطرف الأضعف فيتعرض للقتل أو السلب أو التدمير والسبي تحت أي ذريعة وأي مبرر وفي أي وقت وفي أي مكان.
وما كان تكوين ما يسمى بالقبيلة أو أحد تفرعاتها أو ما كان يعرف بأراضي سيطرتها أو نفوذها، يؤثر كثيرًا على مجرى سير القتال سواء كان بأسبابه أو بالسيطرة عليه والتحكم بمجريات أحداثه فالأمر كله يخضع لذات العصبية فالفرد أي فرد مهما بلغ من علم أو حكمة أو حلم ومهما بلغت مرتبته في القبيلة هو ذاته يصبح فجأة هو القبيلة كلها تعمل بهواه وتتوقف بهواه وهكذا ينطبق هذا العرف أو القانون على كل الاتجاهات البنيوية الأفقية والرأسية ولا يقف عند هذا الحد أبدًا فقد ينسحب إلى (الأبطن والأفخاذ) ولربما إلى التحالفات التي تنزلق إلى ذات المصب وإلى التورطات التي لا نهاية حميدة لها أبدًا.
وهكذا كان مثل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بداية دعوتهم وهم الذين عايشوا هذا الوضع لزمن وهم في مكة فقد كان الأمر صعبًا جدًا حينما يعتنق الفرد منهم الدين الجديد ويظل ارتباطه وانتماؤه للقبيلة يشكل له إرثًا ثقيلًا ولا يعرف كيف يتخلص منه أو يجد الحل الأمثل لفك هذا الارتباط ولا يخفى عن علم أحد من الناس كيف لاقى رأس الدعوة وقائدها ونبيها محمد صلى الله عليه وسلم هذا الإرث الثقيل وشكل له أرقًا شديدًا وتعبًا وجر عليه الأمر إلى حد القتل وقد انتخبوا وانتدبوا من كل قبيلة رجلًا واجتمعوا لقتله بضربة واحدة وكل هذا تحت دعوى ضياع وتشتت دمه الشريف في كله هذه القبائل وبالتالي لا يجد من يريد القصاص وطلب الثأر لدمه الشريف طريقًا سهلًا أبدًا وهكذا كان الأمر عامًا وخاصًا.
كان القتل والقتال يشكل هاجسًا مرعبًا لا يقدم إليه راغبًا إلا وكان مكرهًا ولا يقدم إليه إلا وقد استنفذ كل حيلة في التخلص منه أو تجنبه ولما أصبح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحرارًا في دار هجرتهم المدينة المنورة بعدما تخلصوا من هيمنة جاهلية حكام ورؤساء قريش في مكة المكرمة كذلك وقد أصبحوا مستقلينبإتخاذ قراراتهم على انفسهم أولًا وثانيًا كانوا لا يتباطئون في الاستجابة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أنهم أصبحوا يتسابقون في الاستجابة والامتثال ولم يكن الأمر يتعدى لأكثر من هذا أبدًا.
وجاءت حادثة (النخلة بين مكة والطائف) التي قتل فيها (الحضرمي وأسر اثنان من اصحابه وكان ذلك ليلة رجب الشهر المحرم(وهي مفصلة في التفاسير والسيرة النبوية العطرة) ولا يسعنا هنا إلا أن نفصل (أمر رسول الله) في بعث هذه السرية بإمرة (عبدالله بن جحش بن رباب الأسدي) وحمله كتابًا أمره ألا ينظر فيه