لقد دعتنا قراءة الآية (93) والآية (94) من سورة الكهف إلى وقفة نستطلع من خلالها ثلاثة أسئلة لا يمكن لنا أن نمر على قراءتها من دون أن نخوض بأجوبتها خوضًا يمهد لنا معنى قول ذو القرنين (هذا رحمة من ربي) وهذه الأسئلة هي:
1 -من هؤلاء القوم؟ ونعني بذلك المسميات البارزة فيهم أو الظاهرة على حياتهم؟
2 -ما هو القول الذي لا يكادون يفقهونه؟
3 -وكيف عرفوا أن (يأجوج ومأجوج) مفسدون في الأرض؟ وما كان ميزانهم في معرفة الفساد من الصلاح؟
الجواب الأول للتساؤل الأول:
قال تعالى في الآية (93) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما ....
وهنا تعطينا الآية الكريمة لمحة وصورة عن حالة المكان ونعنى بذلك (الجغرافيا) فالحالة الأولى وعلى الأفق من النظر هناك سدين ويقول ابن كثير في تفسيره أنهما جبلان متقابلان يكادان أن يتصلان ببعضهما ولكن هناك بقيت فجوة أو ثغرة وكأن يأجوج ومأجوج كانوا يأتون أو يخرجون منها وكذلك نفهم من هذا الوصف أن هذين السدين أو الجبلين هما يشكلان من بداية النظر نهاية أرض وادي أو نهاية أرض منبسطة واسعة رحبة أو أن ذلك السدين يشكلان بداية بطن وادي واسع ممتد يشرف من عليها تمامًا وهذه هي وصف الحالة الثانية للأرض التي وصفتها الآية بقولها وجد من دونهما قومًا .... أي أن ذو القرنين وجد عند مطاف وصوله هؤلاء القوم منتشرون على هذه الأرض أو بطن الوادي أو السهل الواسع قبل وصوله أو معرفته بما وراء ذلك السدين أو الجبلين فبوصف هذه الأرض يصبح التعرف على هؤلاء القوم يماثل الوصف تمامًا بأنهم قوم زراعة وفلاحة وليسوا من أقوام الجبال فكانت حالتهم تتوافق وما كانوا يعانونه وما اشتكوا منه إلى ذو القرنين.
وإذا قلنا أن أهل الزراعة لا يكترثون بالصناعة كثيرًا إلا بما يتعلق بصناعة منتوجات ثمارهم ومنتوجات رعيهم وتربيتهم للحيوانات التي تأتلف مع الزراعة فكانوا أصحاب عمل ومشقة ولا وقت لديهم لغير ذلك وحتى فقهم للحديث ولأساليب البيع والشراء والحنكة في التجارة فلا يجيدونها وهذا يعطي مؤشر مباشر أن أصحاب الزراعة والفلاحة وتربية الحيوانات لا يختلطون مع اقوام المدن والقرى حيث التجارة والمنافسة