وثانيا: مادام الإنسان يستخدم اللغة القائمة على بلاغة التشبيه والاستعارة، فإنه لايخلق بهذه البلاغة القائمة على التهويل والتضخيم والمبالغة سوى الأوهام والظنون الكاذبة البعيدة عن الصدق واليقين. ويعني هذا أن الكائن البشري كائن مجازي بامتياز لايخلق سوى المبالغات الزائفة في إصداره للأحكام القيمية والمعرفية. ومن هنا، يعلن الفيلسوف الألماني نيتشه أن الحقيقة منعدمة، وهي مجرد وهم مطلسم. ومن هنا، يقول نيتشه:"بقدر ما يعمل الفرد على حفظ بقائه تجاه الآخرين، بقدر ما يغلب أن لا يستخدم العقل، في الأحوال العادية، إلا من أجل الخفاء والكتمان. غير أن رغبة الإنسان تحت تأثير الضرورة والضجر معا، في أن يحيا حياة مجتمعية وقطيعية، تجعله في حاجة إلى إبرام السلم مع الآخرين، والسعي، وفقا لذلك، إلى إلغاء حالة الحرب الشاملة والدائمة (حروب الكل ضد الكل) ، ومحوها من عالمه. وإن إبرام السلم هذا ليجلب معه ما يشبه خطوة أولى نحو اكتساب غريزة الحقيقة الغامضة كاللغز. أي استتباب السلم يتم معه تثبيت وإقرار ما ينبغي أن يكون حقيقة ...."
ماهي الحقيقة إذا؟ إنها حشد متحرك من الاستعارات والكنايات، والتشبيهات بالإنسان، إنها، باختصار، جملة من العلاقات البشرية، أعلي من شأنها ونقلت من مجالها، وزينت بالصور الشعرية والبلاغية، وصارت بعد طول استعمال، مثل شعب من الشعوب صلبة، شرعية قاسرة: الحقائق نسينا أنها أوهام، واستعارات فقدت، من فرط الاستعمال والتداول، جمالها الحسي الخلاب، وقطع نقدية