فإذا هي نفس الغصة ونفس الحسرة، كما كل سنة، على ما فرطت في جنب الله ..""
ويبقى الرجاء في رب رحيم ودود شكور عفو غفور ..
الضيف إذا أقبل فحقه أن تكرم وفادته، و إن أزمع الرحيل فأحسن له الوداع ..
قد كان منك العزم على استقبال رمضان بمزيد طاعة وكثير احتساب و سباق للخير وللإحسان، فلا تجعل وداعه في الكسل و الدعة، ولا تجعل آخر أيامه نهاية عهدك بالجد و الاجتهاد، فرب رمضان الذي أعانك على ذكره وشكره وعبادته، مجيب قريب يجيب دعوة من دعاه آناء الليل و أطراف النهار، فتملق له سبحانه أن يجعل على الطاعة والبر والإحسان وداعه، و أن يبقيك على ما أنت عليه إلى حين استقباله فيما يلي من أعوام.
قد كنت تجتهد في قراءة القرآن وختمه وتدبره، فابق على ذلك ما استطعت، وقد كنت تحافظ على الصلاة في وقتها وعلى القيام، فاجعل لباقي ليالي السنة من ذلك أيضا نصيبا. وقد كان منك الصوم شهرا كاملا، فاحرص على صيام الاثنين والخميس والأيام البيض و تحر نفحات ذي الحجة وعاشوراء وغيرها .. وقد كان منك كثير ذكر وتوبة، فاجعل بقية أيام السنة عامرة بالذكر والاستغفار ولا تنس أن تتفقد توبتك و ألا تجعلها في جراب مخروم .. وقد جاهدت نفسك و راقبت قلبك و حاولت صيانة سمعك وبصرك عن المسلسلات و الأغاني و الملهيات، حاول الاستمرار على ذلك واسأل الله العون والثبات ..
فرب رمضان هو رب سائر الأيام ..
والضيف إن رحل، فما أدراك إن كنت ستلقاه بعد الرحيل؟
ها أنت يا رمضان قد حزمت حقائبك وشرعت مراكبك و عزمت الرحيل، وها نحن بقينا مصلوبين على مرافئ الانتظار نودعك و نمني النفس بلقاء قريب .. ونحتار أنبكيك أم نبكي أيام عمرنا المتصرمة إلى غير لقاء في الدنيا ..
لن نبكيك يا رمضان، فأنت إذا ما رحلت اليوم فما لأفولك إلا إشراقة زاهية بُعيد شهور تمر كما الساعات، تحث بها خطى الإياب لتنير دروب الغافلين و تأخذ بيد التائهين .. تُستقبل استقبال الملوك، وتتلقاك القلوب الظمآى لأنوارك ومعينك تلقي العظماء الشامخين ..