ليلك في رمضان
قال الحافظ ابن رجب: (واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين وُفِّي أجره بغير حساب) .
ليلك .. ذاك البهيم الذي اعتاد جسدك أن يبحر في أعماق حلكته ويتجرد من عقل قد كان طول اليوم سابحا سبحا طويلا بين ركام الطمع والحرمان، يركض ركض الخائفين خلف قصاصات الأحلام، ويقف طويلا على أطلال خلفتها الخيبات .. ها قد جاءك شهر الأنوار يُسَرِّجه، يملأ جنباته مسكا فواحا يعطره القرآن، ولؤلؤا نداحا تُثوِّره الأجفان ..
دخن كثيف ذاك الذي يحجب قلبك عن زخات النور .. وطين لازب ذاك الذي يثقل جسدك المتهاوي على حافات المتعة والانهماك و براثن الوجع العميق .. آسن قد صار من طول المكث في مستنقعات الحياة ..
فانفض عن عينيك الوسن، و قم عانق الصفاء والنقاء وامتزج مع السكون كي يغرد قلبك الحزين دعوة صادقة موشاة بدمع بريء .. دعوة يسجد فيها قلبك سجود الشاكرين الطامعين في خزائن رحمة وجود رب رحيم كريم جواد .. يغتسل فيها القلب قبل العين من أدران سوء الظن ومن شح المجبولة على التقتير .. وتسرج الروح الظمآى في ملكوت مجيب الدعوات، جاعل تواتر الفرج و الشدة سنة كونية تقلبها بين الصبر والشكر و تشحذها بالرجاء واليقين وحسن الظن بالله وبما عند الله ..