إذا سئلت بأيهما تبدأ في التعلم أولا هل تتعلم الإيمان أولا أم تتعلم القرءان وهذا السؤال ليس تنطعا في الدين أو بدعة فإجابته قد ذكرها لنا الصحابة.
قال ابن عمر لقد عشنا برهة من الزمان وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرءان فتنزل السورة فنعلم حلالها وحرامها وزاجرها ونواهيها وما ينبغي الوقوف عليه (أي علم الوقف والابتداء أحد علوم القرءان) و لقد رئيت أقواما يؤتى أحدهم القرءان قبل الإيمان فيقرأ ما بين دفتي الكتاب لا يعلم حلاله وحرامه ولا زواجره ونواهيه وما ينبغي الوقوف عليه ينثره نثر الدقل (أي التمر الرديء) لذلك قال البصري في قول الله (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) والله ما تدبره في حفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرءان كله ولا يرى لهم القرءان في خلق أو عمل.
يقول الله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة) والله حين يشترى عبدا فإنه لن يشترى اى عبد (مثال لذلك ولله المثل الأعلى عندما يأتي أحد العظماء من رجالات الدنيا ليختار له خادما مثلا أو طاهيا فإنه يهيئه من حيث الشكل والملبس وخلافه، فما بالك ولله المثل الأعلى حين يختارك الله فإنه يهيئك لمراده ويجعلك تعيش الحياة على مراده منك لا على مرادك أنت منه سبحانه وكما قيل(عليك البداية وعلينا التمام) و هذا من إسرار إياك نعبد وإياك نستعين فأنت تعبده سبحانه بإعانته لك على ذلك فإنه يهدى من يشاء منه فضلا ويضل من يشاء عدلا.
و لذلك كان من الدعاء (اللهم أصلحنا حتى نصلح أن نكون لك عبيدا) والكل عبيد لله فمنهم من هو عبيد قهر ومنهم من هو عبيد إحسان وهم عباد الرحمن الذين جاء وصفهم في أواخر سورة الفرقان (و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) إلى أخر الآيات
و كما يقول ابن القيم إذا أخذ العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه وقربه واصطفاه وأخذ بقلبه وفي جميع أمره تولاه تولى ديناه ودنياه وتولى تربيته أفضل ما يربى الوالد الشفيق ولده فهو القيوم على مخلوقاتها كلها عاصيها وطائيها فكيف تكون فيوميته على من أحبه وتولاه وأثره على من سواه.
لذلك يقول ابن القيم لو كشف الله الغطاء عن صنعه لك ولطفه بك من حيث تعلم ولا تعلم لذاب القلب في محبة الله ولتقطع القلب شوقا للقاء الله ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات وتعلقها بالشهوات.