مناقشتهم في أصل الشبه:
1 ـ لما كان أصل شبهتهم وجود التشابه اللغوي أي تشابه المفردة اللغوية بين صفات الله وصفات خلقه - دفعنا هذا التشابه بأخذ مدلولات نصوص الوحي جميعها. فقد دفع سبحانه التشابه بين الصفة نتيجة الاشتراك بالمعنى اللغوي لمفردة الكلمة، بنفيه وجود المشابهة له كمال قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] .
فإذا تقرر عدم مماثلة المخلوقين لله في أيِّ صفة من صفاته وأفعاله - ليس كمثله شيء - بنفيه المماثلة مطلقًا جملة وتفصيلًا، عُلم أن المعنى الذي يُفهم من تلك الصفات الواردة في النصوص هو المعنى اللغوي الذي يعرفه العرب، ومن سمع تلك الآيات منهم. أما المعنى الحقيقي أو الكيفي لتلك الصفات فليس معلومًا ولا معقولًا لنفيه سبحانه المشابهة به من أي شيء، فكيف ننفي شيئًا لم نعقله أو نحدده؟ أما إثباته فهو إثبات لما عقلناه من معاني الصفات مع تفويض الكيفية إلى الله.
فصفة الاستواء الواردة في مثل قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، المعنى اللغوي لمفردة الاستواء هو: العلو والارتفاع والاستقرار والصعود .. حسب ما تتعدى به الكلمة، هذا معروف عند من سمع الآية من العرب، هكذا فهمها الصحابة، أن الله استوى على العرش أي علا وارتفع عليه، أما كيفية استوائه وارتفاعه عليه وحقيقة ذلك فلا يعلمونه ولا يعقلونه لأن العقل لا يمكن تصوره لعظمة الرب سبحانه وتعالى، ولذا لما سئل عن ذلك الإمام مالك قال: (( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه - أي عن كيفيته - بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا ) ).
2 ـ كما يُردّ على الجهمية والمعتزلة لما اتفقوا على إثبات إن الله حيٌ؛ إذ يستحيل عقلًا أن يعبدوا ربًا ليس حيًا - لاحظ أنهم أثبتوا هذه الصفة لما دل عليها العقل وحده - يرد عليهم بأنه يلزمكم في إثبات حياة لله تشبيهًا بحياة المخلوقين -