يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] . وذا من كمال علم الله وإرادته وإحاطته سبحانه بكل شيء دق أم كبر.
3 ـ جعل للعبد إرادة وقدرة مستقلة يخلق بها فعله من غير أن يريد الله ذلك أو يخلقه فيه مشابهة للمجوس الذين يجعلون النور إلهًا للخير خالقًا له، والظلمة إلهًا للشر خالقة له. فكل عبد على حد قولهم يكون خالقًا ما لا يريد الله أو يخلقه. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( القدرية مجوس هذه الأمة ) )رواه أبو داود والحاكم وغيرهم [1] . حيث جعلوا العباد خالقين لأفعالهم مع الله الخالق الواحد القهار. بل هم شر من المجوس في هذا، باعتبار أن المجوس الثنوية جعلوا خالقين، وهؤلاء القدرية اعتقدوا خالقين كثيرين مع الله عزوجل.
4 ـ ظلم الله لعبده ممتنع لأن الله جعل لعبده إرادته واختياره، ولم يؤثر فيها - كما ستأتي مناظرة المجوس للقدرية - يدل لذلك أن العبد لا يدري ما قدّره الله له. فلهذا يفعل كل ما يفعل بمحض اختياره هو؛ فهو إن أراد النكاح لا يعقد في بيته ويعلق الأمر على إرادة الله ويقول إن أراد الله تزويجي تزوجت، بل تجده يفعل السبب من بحث وخطبة. وهذا فعله بمحض اختياره، ولكن من جهة ثانية فعله هذا سبق به علم الله قبل خلق السموات والأرض وكان به إرادته الكونية القدرية العامة - ولا تضاد بين الجهتين، بل هما منفكتان ـ، وهو من كمال علمه وقدرته التي أحاطت بكل شيء، ولا تأثير لما سبق في علم الله وكتابته وتقديره على محض اختيار العبد وإرادته.
5 ـ قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95] لا خلاف فيه، فالله يجازي كلًا بما كسب وعمل ولا تعارض مع قدرته وإرادته وهو قررنا من أن للعبد إرادة واختيار يعرف الحق ويختاره، بمحض إرادته وهو مع ذلك سابق في علم الله وإرادته. فلا حجة ولا دلالة فيها على أن الله يجازي عباده بما قدره عليهم
(1) رواه أبو داود ـ كتاب السنة باب لزوم السنة رقم 4691 ـ والحاكم في مستدركه 85، واللالكائي رقم 1150 - 1155، والآجري في الشريعة ص 190 وابن أبي عاصم في السنة.