مخلوق من مخلوقات الله، ونقول نحن: الأفعال للعبد كذلك لا نخرجها من مخلوقات الله. فالإنسان حر مخير بإرادته لكنه لا يخرج عن إرادة الله ومشيئته.
4 ـ الحس والواقع يُحيلان كون العبد مجبورًا على فعلهم.
وذلك بأن لو قيل لأحد اقذف نفسك في النار، أو كان في داره حريق فلن تجده مكتوف الأيدي يقول: لو أراد الله في الحريق فسأحترق، بل تراه يسعى فطرةً وجبلةً لإنقاذ نفسه ومَن تحت يده، وهذا لا يقول به عاقل أبدًا.
5 ـ يلزم من هذا القول الفاسد - قول الجبرية - أن يوصف الله بالظلم والطغيان تعالى الله عن ذلك وتكرم.
وذلك أن الله - على قولهم - لما أجبر العبد على فعل معين كالسكر والكفر مثلًا - بأن ارتكب العبد ذلك مجبورًا على قولهم - والعبد عندهم لا قدرة له ولا اختيار، فإن عذبه لكفره يكون قد ظلمه لأنه قدر عليه إرادة الشرك والكفر فكيف يقدر عليه ويجبره على فعل ثم يعاقبه عليه؟ ولكن الله سبحانه وتعالى لم يجبره بل ترك له الاختيار بعد أن بين مآل الكافر وحكمه ومصيره، والمؤمن، وترك له الاختيار فيكون العبد متحملًا جرم نفسه وإحسانها والله سبحانه منزه عن الظلم، قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] وقوله في غير ما آية: {وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117] ، والظلم صفة نقص في البشرية فالله سبحانه وتعالى منزه عنها بطريق الأولى. فهل يعقل أن فعل المعصية والطاعة من العبد، كحركة قلبه ونبض عرقه؟!
6 ـ أيضًا يلزم أنه ليس لله حكمة ولا تدبير في خلق الناس وتطليقهم إذا كانوا مجبورين على ما يفعلون، فلم خلقهم ولم أوجدهم؟، بل يكون ذلك عبثًا وسوء تصرف يتنزه الله عنه ويتعالى علوًا كبيرًا.
قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] ، وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .