فيها وحاول أن يُبحرَ بفهمه القاصر لجَّتَها، لكان كلامه ظنًا وتخمينًا ورجمًا بالغيب، ولو كان في ذلك نفعٌ له لبيَّنه الله تعالى أو جعلَ له أصولًا يُهتدَى بها.
المهم أن يُقالَ هنا: إن القرآن أنزله الله على مستوى فهم الإنسان، فهو يخاطب الإنسان على قدر عقله وما يلزمه، ليلتزم به وبأصوله وما طلب منه فيه، ولا يتجاوزُ إلى ما لا شأن له به، وما لا فائدة له منه.
وإنَّ من لم يعرفْ ما في القرآن من عقيدة، وأخبار، وقصص، وأحكام، وآداب، بتدبر، لا يقال له عالم مهما أوتي من علم، فالعلمُ بكتابِ اللهِ تعالى هو الأولُ والأَولَى، وهو الأهمُّ والمهم، وفيه الفائدةُ والنفعُ المطلق.
وقد قرأتُ وسمعتُ كلامًا مما يُعابُ به الأسلوب الإنشائي على صفةِ الوعظ وما إليه، والحقيقةُ أن هذا الأسلوبُ موجودٌ في القرآن الكريم بكثرة، وكذلك في الحديث الشريف، حتى في المسائل"العلمية"، وما يُقال إنه لا شأن للوعظ فيه كما في آيات المداينة بسورة البقرة، فإن فيها: {وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ} و {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ} و {ومَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . والحديث عن الكون والسماوات والأرض والأحياء وما إلى ذلك، فيها الكثير من الأسلوب الإنشائي، من ترغيب وترهيب، ولفت نظر، وبيان ثواب أو تقدير عذاب ... ففي ذلك تبليغٌ وتذكير، وخطاب للقلب والمشاعر والأحاسيس، وهي كلها موجودةٌ في الإنسان ولها قيمتها ومكانتها، ووظيفتها وعملها، ويترتب عليها آثارٌ على العقلِ والعاطفة، فلماذا لا يستعمل هذا الأسلوب، ولمَ يُتحفَّظُ منه والإنسانُ بحاجة إليه كثيرًا؟
إن التحذيرَ من هذا الأسلوبِ جاءنا من مصدر مشبوه، وهو الغرب، الذي يتمسك به أساتذة الجامعات -مثلًا- ويفرضونهُ على الطلبةِ بما يسمونهُ أسلوب"البحث العلمي"، ولا يدركون ما وراءه، وهو كما يقولُ أنصارُ المادية الديالكتيكية لغيرهم في الحوار والكلام: كن موضوعيًا واقعيًا، يعني لا شأن لنا بما وراء ذلك من الغيب وما إليه مما لا نراه وليس موجودًا بيننا!.
فأنصحُ باستعمالِ هذا الأسلوب، ولكن بشكل طبيعي، لا متكلَّفٍ كما هو سجعُ الكهان وكلام الشعراء والأدباء المتنطعين، يعني وسطًا، مما يلفتُ النظر، ويكونُ له وقع في القلب. والأفضل هو تغيير الأسلوب حتى لا يملَّ القارئ، وهو المستعمل في القرآن كذلك، حتى في الآية الواحدة أحيانًا، إذ يتغيَّر الخطاب من الضمير الغائب إلى المخاطب ...